العرب في بريطانيا | 120 مليونيراً بريطانياً يطلبون دفع ضرائب أكثر.....

120 مليونيراً بريطانياً يطلبون دفع ضرائب أكثر.. كيف صنعت الثقة بالدولة هذه الروح الوطنية

120 مليونيراً بريطانياً يطلبون دفع ضرائب أكثر.. كيف صنعت الثقة بالدولة هذه الروح الوطنية
عدنان حميدان يوليو 24, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ليس من المعتاد أن يخرج أكثر من 120 مليونيراً بريطانياً برسالة يطالبون فيها حكومتهم بفرض ضرائب إضافية عليهم. وليس من المألوف، في عالم تتسابق فيه الثروات للبحث عن الملاذات الضريبية، أن يقول أصحاب الملايين صراحة: نحن قادرون على الدفع، ونريد أن ندفع أكثر.

لكن هذا ما حدث في بريطانيا.

فقد وجّه أكثر من 120 مليونيراً بريطانياً رسالة إلى رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندي بيرنهام، طالبوا فيها بفرض ضريبة ثروة بنسبة 2% على من يمتلكون أكثر من 10 ملايين باوند، مؤكدين في الوقت نفسه أنهم لا يريدون زيادة الضرائب على العامل والموظف العادي. ومن بين الموقعين أسماء معروفة مثل غاري لينيكر، وريتشارد كيرتس، وبريان إينو، وفال مكدرميد، وغاري ستيفنسون، إلى جانب آخرين.

بعيداً عن التفاصيل السياسية والاقتصادية لهذه المبادرة، فإن أهم ما فيها، في رأيي، ليس مقدار الضريبة المقترحة، ولا حجم الأموال التي يمكن أن تدخل خزينة الدولة، وإنما المعنى الأخلاقي والاجتماعي الكامن خلفها.

أن يقول إنسان يملك عشرات الملايين: “أنا أستطيع أن أدفع أكثر من غيري، وأنا فخور بأن أدفع من أجل بلدي”، فهذا في حد ذاته تعبير رفيع عن معنى المواطنة.

المواطنة هنا ليست جواز سفر، ولا عنواناً في سجل مدني، وإنما شعور بالانتماء والمسؤولية تجاه مجتمع شارك الفرد في بنائه، واستفاد من مؤسساته، وحصل على فرصه في ظل نظام عام يوفر التعليم والصحة والأمن والقانون والبنية التحتية.

وهذه الروح لا تأتي من فراغ.

إنها، في جانب كبير منها، حصيلة بناء الثقة في النظام القائم داخل الدولة؛ ثقة لم تُبنَ بين ليلة وضحاها، وإنما تأسست وتراكمت وتماسكت عبر عقود طويلة. حين يشعر المواطن أن الضرائب التي يدفعها لا تذهب إلى المجهول، وأن القانون يسري على الجميع، وأن الدولة، رغم أخطائها وتقصيرها، تعمل ضمن مؤسسات مستقرة يمكن مساءلتها وتصحيح مسارها، فإن دفع الضريبة يتحول من عبء إلى جزء من المسؤولية الوطنية.

وهنا يصبح حس المواطنة في أعلى درجاته.

صحيح أن بريطانيا عرفت رجال أعمال وأثرياء غادروا البلاد هرباً من الضرائب، لكن من المهم أيضاً التمييز بين الحالات. فكثير من هؤلاء كانوا مستثمرين أو أصحاب ثروات دولية لم ينشأوا بالضرورة في بريطانيا، ولم يعيشوا منذ طفولتهم في مدارسها وأحيائها، ولم يخوضوا مع جيرانهم ومواطنيهم تفاصيل الحياة اليومية بكل ما فيها من أزمات وتحديات.

أما هؤلاء المليونيرات الذين اختاروا أن يطالبوا بدفع المزيد، فإن موقفهم، حتى لو تعاملنا معه باعتباره حالة استثنائية، يظل حالة ملهمة ومؤثرة. لأنهم يقولون ببساطة إن الثروة ليست حقاً فردياً معزولاً عن المجتمع، وإن من استفاد أكثر من النظام يمكنه أن يساهم أكثر في استمراره.

ولعل أجمل ما يمكن أن نتمناه هو أن تنتقل مثل هذه الروح إلى دولنا العربية.

لكنها لن تنتقل بمجرد الأمنيات أو الدعوات الأخلاقية. فالمواطنة التي تدفع الأثرياء إلى المطالبة بضرائب أعلى تحتاج إلى بيئة خصبة بالعدالة والثقة والمساواة. تحتاج إلى دولة يشعر فيها الغني والفقير بأنهما تحت سقف قانون واحد، وأن المال لا يشتري العدالة، وأن الضريبة ليست عقوبة على النجاح، بل مساهمة في بناء مجتمع يستفيد منه الجميع.

حين تتوافر هذه البيئة، قد نكتشف أن أفضل ما يمكن أن تقدمه الدولة لمواطنيها ليس فقط الخدمات، بل الثقة.

وعندما تُبنى الثقة، يصبح المواطن مستعداً لأن يعطي دولته، حتى وهو قادر على أن يأخذ منها أكثر.

وهنا، ربما، تكمن القيمة الحقيقية لقصة هؤلاء الـ120 مليونيراً البريطانيين.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 24 يوليو 2026
"سواء كنت تخشى مواجهة الجمهور وتبحث عن بيئة آمنة لبناء ثقتك من الصفر، أو كنت متحدثًا ممارسًا يسعى لتطوير أدواته الخطابية لترك أثر لا يُنسى.. هذه الورشة صُممت لأجلك" في هذا اليوم التدريبي المكثف، ندمج أحدث مهارات التواصل مع أدوات…
𝕏 @alarabinuk · 24 يوليو 2026
"خلال 60 يومًا فقط قد تضطر لمغادرة البلاد بسبب خطأ إداري بسيط.." في هذه الحلقة من برنامج #في_حضرة_القانون، يكشف عبد الله من شركة BA International Solicitors أبرز الأخطاء الشائعة التي تُهدد تأشيرة العمل في بريطانيا، وكيف تتفاداها لحماية إقامتك وعملك.…
𝕏 @alarabinuk · 24 يوليو 2026
أنشطة وفعاليات تناسب العائلات في #بريطانيا خلال عطلة نهاية هذا الأسبوع🏤 تفاصيل الأنشطة وأماكن إقامتها: https://alarabinuk.com/?p=237401 #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 24 يوليو 2026
10 باوندات لثوانٍ معدودة.. كم تكلفك الدقيقة أمام صالات المغادرة ببريطانيا؟ ✈️ يوضح هذا #الجدول مقارنة بين رسوم إنزال المسافرين (Drop-off) في مطارات بريطانيا بين عامي 2025 و2026، والتي شهدت قفزة بنحو الثلث. بين تنظيم السير وزيادة التكاليف.. كيف ترون…
عرض المزيد على X ←