لماذا نقف خلف المنتخب الإنجليزي؟
مع كل بطولة كبرى يعود السؤال ذاته: لماذا يشجع بعض المسلمين والعرب في بريطانيا المنتخب الإنجليزي؟ وكيف يمكن لمن يحمل هموم فلسطين أو يتذكر التاريخ الاستعماري البريطاني أن يقف خلف منتخب يمثل إنجلترا؟
السؤال مشروع، والإجابة عنه تستحق قدراً من الهدوء بعيداً عن الاتهامات الجاهزة أو اختبارات الوطنية والانتماء.
أول ما يستند إليه هذا الموقف هو معنى الوفاء الإنساني البسيط. فالإنسان بطبيعته يحمل شيئاً من الامتنان للمكان الذي احتضنه، وشرب من مائه، وتنفس هواءه، وتعلم في مدارسه، وعمل في مؤسساته، وربى أبناءه على أرضه. هذا لا يعني التخلي عن الجذور الأولى أو نسيان الوطن الأم، ولكنه يعني الاعتراف بفضل المكان الذي منحك فرصة الحياة الكريمة والأمان والاستقرار.
الوفاء لا يُقاس بالشعارات الكبرى فقط، بل يظهر أحياناً في التفاصيل الصغيرة والرموز المشتركة التي تجمع الناس حولها. والرياضة، شئنا أم أبينا، واحدة من أهم هذه الرموز في المجتمعات الحديثة.
ثم إن الحياة المدنية تقوم على معادلة واضحة: حقوق وواجبات.
فكما أن لك حقوقاً تطالب بها، وصوتاً انتخابياً تساهم من خلاله في اختيار أعضاء البرلمان، وحضوراً يؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تشكيل الحكومات والسياسات العامة، فإن هناك أيضاً واجبات أخلاقية ومدنية تعزز روح التعايش والشراكة في الوطن الواحد.
حين يرى الناس، على اختلاف أصولهم وأديانهم وألوانهم، أنهم يقفون معاً في القضايا الوطنية والرمزية، فإن ذلك يبعث برسالة قوية مفادها أن المجتمع يتسع للجميع، وأن الانتماء لا يُقاس بلون البشرة أو باسم العائلة أو بمكان الميلاد.
إن صورة المشجع المسلم أو العربي أو الإفريقي وهو يقف إلى جانب جاره الإنجليزي الأبيض يشجعان الفريق ذاته، قد تكون أحياناً أقوى أثراً من عشرات الخطب عن الاندماج والتعايش.
وفي المقابل، لا بد من تأكيد حقيقة أساسية: لا أحد ملزم بتشجيع كرة القدم أصلاً.
من حق أي مواطن بريطاني أن يكره الرياضة كلها، أو ألا يشجع أي فريق، أو أن يتابع البطولة بلا اهتمام، أو حتى ألا يعرف أسماء اللاعبين. هذه مساحة شخصية لا يملك أحد حق محاسبة الناس عليها.
لكن ما قد يبدو غريباً أو غير لائق اجتماعياً هو أن يحرص الإنسان على إعلان تشجيعه للفريق المنافس في مناسبة ينظر إليها معظم الناس بوصفها لحظة جامعة ومؤقتة يلتفون حولها.
الأمر هنا ليس قضية قانون أو حق أو حرية، بل مسألة ذوق اجتماعي وفهم لطبيعة المجتمعات البشرية التي تحتاج بين الحين والآخر إلى مساحات مشتركة يشعر فيها الجميع بأنهم يقفون في صف واحد.
ومع ذلك، فإن الحياة أكثر تعقيداً من الأبيض والأسود.
فقد تجد نفسك تحترم منتخباً منافساً أو شعباً آخر بسبب موقف أخلاقي أو إنساني نبيل. نحن جميعاً نحمل تقديراً خاصاً للشعوب أو الفرق التي وقفت مع قضايانا العادلة أو عبرت عن تضامنها مع المظلومين.
حين وقفت جماهير أوروبية تهتف لفلسطين، شعر كثير منا بالامتنان والتقدير.
وحين ترى مشجعاً إنجليزياً يرفع العلم الفلسطيني في المدرجات أو يهتف لفلسطين أمام عدسات التلفزيون، ألا تشعر بشيء من الاحترام تجاهه؟ ألا ترى أن هذه المواقف الصغيرة تبني جسوراً بين الناس وتكسر الصور النمطية المتبادلة؟
بل إن المنتخب الإنجليزي نفسه ضم ويضم لاعبين عبّر بعضهم بوضوح عن مواقف إنسانية وشجاعة تجاه قضايا العدالة ومناهضة العنصرية والدفاع عن المظلومين.
كما أن التاريخ والسياسة لا يمكن اختزالهما في مباراة كرة قدم تستمر تسعين دقيقة.
نعم، تتحمل بريطانيا تاريخياً مسؤولية كبيرة في المأساة الفلسطينية، وهذا جزء من الحقيقة لا ينبغي تجاهله أو تزييفه. لكننا إذا أردنا تحويل كل مناسبة اجتماعية أو رياضية إلى محاكمة تاريخية شاملة، فلن نجد دولة أو شعباً أو حتى مؤسسة معاصرة تخلو من صفحات مؤلمة أو مواقف خاطئة.
لدينا خلافات سياسية حتى مع دول عربية وإسلامية في ملفات عديدة، ومع ذلك لا يمنعنا ذلك من التعامل مع شعوبها أو تقدير مواقفها الإيجابية حين تستحق التقدير.
الرياضة في نهاية المطاف ليست استفتاءً على التاريخ، ولا تزكية مطلقة للسياسات الحكومية، بل هي مساحة إنسانية مؤقتة يجتمع الناس حولها ويبحثون فيها عن الفرح والانتماء والذكريات المشتركة.
ولذلك فإن تشجيع المنتخب الإنجليزي بالنسبة لكثيرين ليس إعلاناً للتخلي عن فلسطين، ولا تنازلاً عن الهُوية، ولا مصادرة للذاكرة التاريخية.
إنه ببساطة تعبير عن الامتنان للمكان الذي عاشوا فيه، وإيمان بفلسفة الحقوق والواجبات، ورغبة في تعزيز التعايش، وإحساس بأن المجتمع الذي فتح لهم أبوابه يستحق منهم، في لحظاته الرمزية الجامعة، أن يقفوا معه لا ضده.
وفي النهاية، يظل احترام الخيارات الفردية هو الأساس.
لك أن تشجع إنجلترا، ولك ألا تشجعها، ولك أن تعشق كرة القدم أو أن تكرهها.
لكن إذا رأيت آلاف الناس من حولك يلتفون حول رمز يجمعهم، ورأيت بينهم من يهتف لفلسطين ويقف ضد العنصرية ويؤمن بالعدالة، فربما يكون الوقوف معهم أقرب إلى بناء الجسور من بناء الجدران.
الرابط المختصر هنا ⬇
احسنت استاذ عدنان وهذا عين الصواب وكلام موزون ليت الجميع يلتزم له