العرب في بريطانيا | عندما تهب العاصفة… ليس كلُّ ثباتٍ بطولة، وليس ك...

عندما تهب العاصفة… ليس كلُّ ثباتٍ بطولة، وليس كلُّ تراجعٍ هزيمة

عندما تهب العاصفة… ليس كلُّ ثباتٍ بطولة، وليس كلُّ تراجعٍ هزيمة
عدنان حميدان أغسطس 3, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ليست المشكلة في العاصفة حين تهب، فهي ماضية في طريقها، لا تستأذن أحدًا، ولا تعبأ بمن يعترضها. وإنما المشكلة فيمن يظن أن الطريق الوحيد لعبورها هو الوقوف في وجهها بكل ما يملك. عندئذٍ تختلط الشجاعة بالاندفاع، والحكمة بالتردد، ويغدو الحكم على المواقف أسير الصورة لا النتيجة.

الربان الخبير الّذي يدرك البحر لا يخوض صراعًا مع الريح، ولا يعدل عن وجهته خوفًا منها. كل ما يفعله أنه يخفف اندفاع السفينة، ويعيد ضبط أشرعتها، ويختار المسار الذي يحفظها حتى تمر الشدة. لم يغيّر غايته، ولم يتراجع عن رحلته، ولم يبدل غايته، وإنما أحسن اختيار الوسيلة الّتي توصله إلى المرفأ. وهنا يكمن الفارق بين من يريد أن ينتصر للحظة، ومن يسعى إلى بلوغ الغاية.

وفي حياة الأفراد، كما في حياة الأمم والمشروعات، تتكرر الصورة نفسها.

هناك أزمات لا يكون أعظم ما فيها حجم الخطر، بل قدرتها على دفع الناس إلى قرارات يستعجلونها تحت وطأة الغضب أو الخوف. ولهذا تشير دراسات علم النفس المعرفي إلى أن الإنسان، كلما ارتفع مستوى الضغط والانفعال، ضاقت قدرته على تقدير البدائل واتسعت مساحة القرارات الاندفاعية. لهذا لا ينصح خبراء إدارة الأزمات باتخاذ القرارات الكبرى في ذروة الانفعال، لأن العقل في ذروة التّوتّر ينشغل بالخلاص من الضغط أكثر من انشغاله برؤية العواقب.

ولهذا أيضًا، فإن الخصم الذكي لا يسعى دائمًا إلى هزيمتك في الميدان، بل يسعى إلى استدراجك إلى الميدان الذي اختاره هو، وفي الوقت الذي يناسبه هو. فإذا دفعك إلى معركة قبل أوانها، أو استنزفك في مواجهة جانبية، فقد حقق غايته، دون أن ينتصر عليك حقيقة.

من هنا يصبح التريث فعلًا من أفعال القوة، لا عنوانًا للضعف. ويغدو الانسحاب من معركة صغيرة حفاظًا على معركة أكبر لونًا من ألوان الشجاعة، لا نقيضًا لها.

غير أن هذه الحقيقة تحتاج إلى قدر من الإنصاف، حتى لا تتحول إلى ذريعة للسلامة أو مبرّرٍ للتراجع. فالأمم لا تحفظها الحسابات الباردة وحدها، ولا تبنى بالحرص على البقاء مجردًا من الاستعداد للبذل. هناك لحظات يصبح فيها الثبات حتى آخر النفس هو الواجب الذي لا يسع أحدًا التخلف عنه، وحينها يكون التراجع خذلانًا لا حكمة.

لكن تلك ليست كل اللحظات.

المشروعات الكبرى لا تحتاج دائمًا إلى من يموت من أجلها، بل تحتاج – في مراحل كثيرة – إلى من يعيش من أجلها. تحتاج إلى من يحفظ رجالها، ويصون خبراتها، ويمنع خصومها من تحقيق غايتهم باستنزافها قبل أوان الحسم. فليس كل بقاء تعلقًا بالحياة، كما أن ليس كل اندفاع طلبًا للشهادة.

الفرق بين الحالتين لا تصنعه العاطفة، وإنما يحدّده ميزان المصلحة. فالشهادة، في وجدان المؤمن، منزلةٌ ساميةٌ لا يُدانيها شرف، لكنها ليست قرارًا فرديًا معزولًا عن حاجة المشروع الذي ينتمي إليه. وحين يكون بقاء الرجال هو الذي يحفظ الرسالة، ويصون الجماعة، ويهيئ لجولة يكون نفعها أعظم، يصبح الحفاظ عليهم وفاءً للمشروع، لا تراجعًا عنه.

ولذلك لم يكن تاريخ الرسالات خطًا واحدًا من المواجهة المباشرة. فقد عرف لحظات الثبات، وعرف لحظات الكتمان، والهجرة، وإعادة التموضع، والصلح، وانتظار الظرف الأنسب. لم يتغير الحق، وإنما تغيرت الوسائل التي تحميه حتى يبلغ غايته. تلك ليست ازدواجية في المبدأ، بل حكمة في تنزيله على الواقع.

ولعل أجمل ما قيل في هذا الباب ما أورده سن تزو في كتاب «فن الحرب»: “من يعرف متى يقاتل ومتى لا يقاتل، فهو الذي ينتصر.” وهي حكمة لا تمجّد الجبن، وإنّما تُمجّد حسن التوقيت؛ فالمعركة التي تُخاض في غير أوانها قد تهزم أصحاب الحق قبل أن تبدأ.

حين تهب العاصفة، ينشغل بعض الناس بإثبات شجاعتهم، وينشغل آخرون بحفظ السفينة. وبعد أن تهدأ الرياح، لا يُسأل البحر من كان أكثر صخبًا، بل من الذي بلغ المرفأ.

وهكذا تُقاس المشروعات العظيمة؛ لا بعدد المعارك التي خاضتها، ولا بحجم الخسائر التي تحملتها، وإنما بقدرتها على البقاء حتى تؤدي رسالتها كاملة. فربُّ مشروعٍ احتاج في يوم إلى شهيد يكتب بدمه صفحة من تاريخه، واحتاج في يوم آخر إلى رجل يبقى حيًا ليكتب بقية الصفحات.


 

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 3 أغسطس 2026
بعد اعتناقه الإسلام.. المؤثر البريطاني "داوي" يُحرج المتطرف تومي روبنسون في مناظرة أكسفورد، مدافعًا عن الإسلام وإسهامات المسلمين الخيرية في مدينة لوتون التي عاش فيها روبنسون لأكثر من 15 عامًا، بينما لا يزال يهاجم دينهم دون أن يقدم لمدينته أي…
𝕏 @alarabinuk · 3 أغسطس 2026
كيف تقضي عطلةً بحريةً ساحرةً في بريطانيا دون إنفاق ثروة؟ من إنجلترا إلى ويلز واسكتلندا.. إليكم قائمةً بـ7 فنادق مطلة على البحر بأسعار تبدأ من 35 باوندًا للفرد! 🏝️ 📌 احفظ القائمة لرحلتك القادمة، وشاركها مع من تُحب السفر معه.…
𝕏 @alarabinuk · 3 أغسطس 2026
"كنتُ مخطئًا عندما دعمتُ إسرائيل.. وحياة الطفل الفلسطيني لا تقل أهمية عن حياة الطفل اليهودي" بعد 20 عامًا من الدعم المطلق، يُجدد النائب البريطاني مارك بريتشارد ندمه على هذا الموقف تحت قبة البرلمان، معلنًا إدانته الصريحة لأفعال إسرائيل ومطالبًا حكومته…
𝕏 @alarabinuk · 3 أغسطس 2026
الاحتلال يخرق الهدنة ويعيد إشعال آلة الإبادة… وأكثر من 2.1 مليون إنسان في قطاع غزة يواجهون القصف والجوع في آن واحد بلا أي ملجأ. مع خرق الاحتلال لوقف إطلاق النار، عاد الحصار ليخنق العائلات النازحة ويحرم الأطفال لقمة العيش. فرق…
عرض المزيد على X ←