لا تضبطوا الذكاء الاصطناعي.. استثمروا في الإنسان
يبدو أننا، كلما اكتشفنا قوة جديدة، سارعنا إلى السؤال عن كيفية تقييدها قبل أن نسأل أنفسنا كيف يمكن أن نستفيد منها. وهذا بالضبط ما يحدث اليوم مع الذكاء الاصطناعي. فما إن بدأت قدراته تتجاوز ما اعتدناه من الآلات، حتى انشغل جزء كبير من النقاش العام بالخوف منه، وبالبحث عن القواعد التي ينبغي أن تحاصره، والحدود التي يجب ألا يتجاوزها، والضوابط التي تضمن بقاءه داخل المنطقة التي نشعر فيها بالأمان.
أما أنا فأرى أن البداية نفسها خاطئة.
ليس لأن الذكاء الاصطناعي بلا مخاطر، ولا لأن كل ما يمكن أن تفعله الآلة ينبغي أن تفعله، وإنما لأننا نطرح السؤال في المكان الخطأ. نحن ننظر إلى آلة تتطور بسرعة، ثم نطالبها بأن تتباطأ، بينما الأولى بنا أن ننظر إلى الإنسان الذي يستخدمها ونسأل: لماذا لا يتطور بالسرعة نفسها؟ ولماذا لا يكون الاستثمار الأكبر في رفع قدراته، بدل أن يتحول معظم النقاش إلى محاولة خفض قدرات الآلة؟
لقد اعتاد الإنسان، طوال تاريخه، أن يصنع أدوات تتجاوز قدراته الطبيعية. لم تكن العجلة مشكلة لأنها أسرع من الإنسان، ولم يكن الحاسوب خطرًا لمجرّد أنه يستطيع الحساب بسرعة تفوق قدرته، ولم نتعامل مع الآلات الصناعية باعتبارها تهديدًا لأنها تستطيع إنتاج ما لا يستطيع الإنسان إنتاجه بيديه. كنا نفعل العكس تمامًا: نكتشف القدرة الجديدة، ثم نتعلم كيف نستثمرها، ثم نعيد بناء حياتنا حولها.
الذكاء الاصطناعي ليس مختلفًا في جوهر الفكرة، وإن كان مختلفًا في حجم التأثير المتوقع. فنحن لا نتحدث هذه المرة عن آلة تساعد الإنسان على الحركة أو الإنتاج فحسب، وإنما عن أدوات تدخل إلى مجالات اعتقدنا طويلًا أنها جوهرية في تفوق الإنسان: المعرفة، والتحليل، واللغة، والبرمجة، والبحث، وحتى بعض جوانب الإبداع.
ولذلك ربما يكون شعور الإنسان بالقلق مفهومًا. لكن القلق ليس استراتيجية، والخوف ليس مشروعًا للمستقبل.
إذا كانت الآلة ستصبح أكثر ذكاءً، فماذا يمنعنا من أن نجعل الإنسان أكثر ذكاءً معها؟
هذه هي الفكرة التي أعتقد أننا لم نعطها ما تستحقه من الاهتمام. نحن نتحدث كثيرًا عن الذكاء الاصطناعي، وعن النماذج الجديدة، وقدراتها المتزايدة، وعن مستقبل الوظائف، ومستقبل الشركات والاقتصاد، لكننا نتحدث بدرجة أقل عن الشيء الذي ينبغي أن يكون في مركز كل ذلك: الإنسان نفسه.
ماذا سنفعل بالتعليم؟ ماذا سنفعل بالجامعة؟ كيف سنربي أطفالًا قادرين على التفكير في عالم تستطيع فيه الآلة أن تقدم لهم الإجابة خلال ثوانٍ؟ كيف سنبني باحثًا يعرف كيف يستخدم هذه الأدوات دون أن يصبح تابعًا لها؟ وكيف سننشئ مواطنًا يستطيع أن يميز بين الحقيقة والمعلومة، وبين المعرفة والدعاية، وبين الإجابة الصحيحة والإجابة المقنعة فقط؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق أن ننفق عليها أموالنا ووقتنا وطاقتنا.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم للإنسان آلاف الإجابات، لكنه لا يعفيه من مسؤولية تحديد السؤال الذي يستحق أن يُطرح. يستطيع أن يحلل كميات هائلة من المعلومات، لكنه لا يقرر بالنيابة عنا أي مشكلة تستحق الحل. يستطيع أن يقترح احتمالات لا تحصى، لكن الإنسان هو الذي يختار الغاية التي يريد الوصول إليها، وهو الذي يتحمل مسؤولية النتائج.
وهنا تكمن قيمة الذكاء الطبيعي.
ليس المطلوب أن نجعل الإنسان ينافس الآلة في كل ما تتفوق فيه الآلة. لن يكون من المنطقي أن نحاول أن نجعل الإنسان أسرع من الحاسوب في الحساب، أو أكثر قدرة منه على حفظ ملايين المعلومات. لقد صنعنا الآلات أصلًا لكي تقوم بهذه الأشياء عنا.
المطلوب أن يصبح الإنسان أكثر قدرة على توجيهها، ومساءلتها، واكتشاف أخطائها، وتحويل قدراتها إلى نتائج ذات قيمة.
نحتاج إلى إنسان أكثر فضولًا، وأكثر قدرة على التفكير النقدي، وأكثر استقلالًا في الحكم، وأكثر قدرةً واستعدادًا للتعلم المستمر. نحتاج إلى تعليم لا يكتفي بتلقين الإجابات، وإنما يربي القدرة على السؤال. نحتاج إلى جامعات ترى في الذكاء الاصطناعي فرصة لتوسيع البحث، لا مجرد تهديد لنظامها التقليدي. ونحتاج إلى مجتمع يتعامل مع المعرفة باعتبارها رأس المال الحقيقي للمستقبل.
إن الاستثمار في الذكاء الطبيعي ليس شعارًا جميلًا يمكن وضعه في نهاية مقال؛ إنه مسألة تتعلق بموقع الإنسان في العالم المقبل.
فإذا كانت أدوات الذكاء الاصطناعي ستضاعف قدرة من يمتلكها، فإن الفارق بين المجتمعات لن يكون في امتلاك التقنية وحدها، وإنما في امتلاك العقول القادرة على استخدامها. وقد يكون أخطر تفاوت في المستقبل ليس بين من لديه ذكاء اصطناعي ومن لا يملكه، وإنما بين من يملك القدرة على استخدامه لصناعة المعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد، ومن يتحول إلى مجرد مستهلك لما يصنعه الآخرون.
ثم هناك سؤال آخر لا يمكن تجاهله، وربما كان أكثر إزعاجًا من السؤال التقني نفسه: ماذا لو لم يكن العالم كله أخلاقيًا؟
يمكننا أن نتمنى عالمًا يتفق فيه الجميع على القواعد نفسها، ويمكننا أن نضع لأنفسنا معايير أخلاقية عالية في استخدام التكنولوجيا، وهذا أمر جدير بالاحترام. لكن العالم الذي نعيش فيه لا يقوم على افتراض أن جميع الأطراف تتصرف بالطريقة نفسها. هناك منافسة بين الدول، ومنافسة بين الشركات، وتضارب في المصالح، واختلاف في القيم والأهداف. وما تعتبره جهة ما خطًا أحمر قد لا تراه جهة أخرى كذلك.
لهذا فإن بناء مستقبلنا على افتراض أن الآخرين سيتخلون عن أدوات القوة لأننا قررنا التخلي عنها ليس استراتيجية يمكن الركون إليها.
قد أكون أخلاقيًا، لكن هذا لا يضمن أن منافسي أخلاقي بالقدر نفسه. وقد أقرر ألا أستخدم قدرة معينة لأنني أرى أن استخدامها يتعارض مع مبادئي، لكن هذا لا يعني أن الطرف الآخر سيتخذ القرار نفسه.
ومن هنا يصبح امتلاك القدرة مسألة مختلفة عن طريقة استخدامها.
أنا لا أدعو إلى التخلي عن الأخلاق، بل إلى عدم الخلط بين الأخلاق والعجز. أن تكون أخلاقيًا وأنت قادر على الفعل شيء، وأن تكون عاجزًا عن الفعل ثم تسمي عجزك أخلاقًا شيء آخر. القوة لا تجعل الإنسان أخلاقيًا، كما أن الضعف لا يجعله كذلك. لكن امتلاك القوة يمنح الإنسان مساحة للاختيار، ويمنحه القدرة على حماية ما يؤمن به عندما لا يشاركه الآخرون الإيمان نفسه.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: كيف نجعل الجميع أقل قدرة؟ بل: كيف نجعل الإنسان أكثر قدرة على التعامل مع عالم قد لا يلتزم فيه الجميع بالقواعد نفسها؟
هذه ليست دعوة إلى عالم بلا قواعد، وإنما دعوة إلى ألا نجعل «الضبط» فلسفتنا الوحيدة في التعامل مع التكنولوجيا. فهناك فرق بين أن نضع أطرًا عقلانية للتعامل مع المخاطر، وبين أن يصبح هدفنا الأساسي هو كبح تطور الأداة نفسها.
أنا لا أريد أن يكون مشروعنا الحضاري في عصر الذكاء الاصطناعي هو إبقاء الآلة ضعيفة حتى يشعر الإنسان بالأمان. أريد أن يكون مشروعنا هو جعل الإنسان قويًا بما يكفي كي لا يخاف من قوة الآلة.
ولعل المفارقة الكبرى أننا قد نصل إلى مستقبل تصبح فيه الآلة قادرة على القيام بأشياء كانت تحتاج في السابق إلى عشرات البشر، بينما نظل نحن نعلم أبناءنا بالطريقة نفسها التي كنا نعلمهم بها قبل ظهور هذه الأدوات. عندها لن تكون المشكلة أن الذكاء الاصطناعي تطور أكثر مما ينبغي، وإنما أننا لم نطور الإنسان بما يكفي.
وهذا هو الخطر الذي يستحق أن نقلق منه فعلًا.
أن تصبح لدينا أدوات شديدة الذكاء، ومؤسسات ضعيفة في التفكير، وتعليم لا يزال قائمًا على الحفظ، ومجتمعات تستهلك التكنولوجيا دون أن تفهمها، وأجيال تستخدم الذكاء الاصطناعي للحصول على الإجابة بدل أن تستخدمه لتوسيع قدرتها على التفكير.
في هذه الحالة لن يكون الذكاء الاصطناعي هو الذي أضعف الإنسان. الإنسان هو الذي أهمل تطوير نفسه.
ولذلك، إذا كان لا بد من إطلاق مشروع عالمي جديد في عصر الذكاء الاصطناعي، فأنا لا أريده مشروعًا عنوانه «ضبط الذكاء الاصطناعي». أريده مشروعًا عنوانه «تنمية الذكاء الطبيعي». أريد أن يكون الاستثمار في التعليم، والبحث العلمي، والعقول الشابة، والجامعات، المختبرات والإبداع والتفكير النقدي في مقدمة أولوياتنا، وأن تصبح أدوات الذكاء الاصطناعي جزءًا من هذا المشروع بدل أن تكون سببًا للهرب منه.
لقد صنع الإنسان الأدوات طوال تاريخه لكي يوسع حدود قدرته، وليس لكي يبقى أسيرًا لقدراته القديمة. والذكاء الاصطناعي، مهما كان مختلفًا، لا ينبغي أن يدفعنا إلى التخلي عن هذه القاعدة.
لا أريد أن نطلب من الآلة أن تصبح أقل ذكاءً حتى نشعر أننا ما زلنا أذكى منها.
أريد أن نستثمر في الإنسان حتى لا تكون المسألة أصلًا مسألة خوف من آلة أكثر ذكاءً.
أريد إنسانًا يدخل عصر الذكاء الاصطناعي وهو يعرف أنه ليس مضطرًا إلى منافسة الآلة في كل شيء، ولا إلى الخضوع لها في شيء، وإنما إلى استخدامها كامتداد لعقله وقدرته؛ فالمستقبل لن يكون لمن استطاع أن يمنع الذكاء من التطور.
سيكون لمن استطاع أن يطور الإنسان بما يكفي ليفهم هذا الذكاء، ويستخدمه، ويوجهه، ويضع له الغاية التي تخدم الإنسان.
ولهذا، قبل أن نسأل كيف نضبط الذكاء الاصطناعي، علينا أن نسأل سؤالًا أكثر إلحاحًا: ماذا فعلنا بالذكاء الطبيعي؟
ربما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد في النهاية إن كان الذكاء الاصطناعي سيصبح تهديدًا للإنسان بحقٍّ، أم أعظم أداة اخترعها الإنسان لتوسيع حدود قدرته.
الرابط المختصر هنا ⬇


