العرب في بريطانيا | هل تحوِّلنا الخوارزميات إلى أسرى للترند؟

هل تحوِّلنا الخوارزميات إلى أسرى للترند؟

هل تحوِّلنا الخوارزميات إلى أسرى للترند؟ بقلم: عدنان حميدان
عدنان حميدان سبتمبر 11, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ذات مرة، تفاعلتُ مع «ترند» على منصة إنستغرام، كانت فكرته بسيطة، بل بدت لي للوهلة الأولى جميلة: أن تضع صورتك وأنت صغير، ثم صورة لك اليوم. شيء من الحنين، شيء من استعادة الأمس، ونافذة صغيرة نطلّ منها على سنوات مضت، وعلى وجوه كانت يومًا جزءًا من تفاصيل حياتنا، ثمّ أخذتها الأيّام بعيدًا.

بدت لي الفكرة، في ولادتها الأولى، لطيفة من الناحية الاجتماعية؛ تستدعي الذكريات، وتفتح أبوابًا صغيرة للحديث بين الأصدقاء، وتعيد إلى الواجهة وجوهًا كادت أن تنساها الأيام. وربما كانت، أيضًا، محاولة بريئة لكسر شيء من سطوة الخوارزميات، لعل منشوراتنا تصل إلى عدد أكبر من الناس.

لكن ما إن انتهت الحكاية حتى بدأت أخرى.

ضع صورتك وأنت ترتدي الأسود. ثم انشر ست صور من الشهر الماضي. ثم صورة من شهر أيلول/سبتمبر من العام الماضي، «من دون غش»! وبعدها صورة من مكان كذا، وأخرى من موقف كذا، وصور الطعام، وصور السفر، وصور من ست مدن مختلفة… حتّى يبدو الأمر، أحيانًا، كما لو أنّ حياتنا نفسها تحوّلت إلى مخزن مفتوح للصّور، ينتظر من الخوارزميّة أن تختار منه ما يستحقّ أن يراه الآخرون.

وهنا بدأت أتساءل: إلى أي حد أصبحنا نعيش وفق ما تقترحه علينا الخوارزميات؟

لا أملك إجابة قاطعة، ولا أدّعي ذلك، لكنني أعرف أن ثمة شيئًا يستحق التأمل، ويتسلّل إلينا من دون ضجيج.

فبينما تعجّ هواتفنا بسلسلة لا تنتهي من الأسئلة والتحديات والصور، كان العالم خارجها ممتلئًا بأحداث ثقيلة وقصص تستحق أن نتوقف عندها: كانت غزة تنزف، ونيبال تحمل أثقالها، الحرائق تلتهم أماكن من الجزائر، وأوضاع تونس تواجه أسئلتها، وكانت اليمن تعيش صراعاتها، وأخبار العالم تتدافع أمامنا، حتّى أصبحنا نحتاج إلى جهد حقيقيّ كي نتابع ما يحدث حولنا.

لا يعني هذا، بالطبع، أن علينا أن نعيش في حالة دائمة من الحزن، أو أن نُحوّل حساباتنا الشخصية إلى نشرات إخبارية، أو أن نحمل العالم كلّه فوق أكتافنا. فالناس بحاجة إلى شيء من الخفة، وإلى مساحة للترفيه والضحك واستعادة الذكريات. ومواقع التواصل، في أصل فكرتها، منصات اجتماعية، لا ساحات للواجبات الأخلاقية.

لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الخفة إلى غفلة، والترفيه إلى استنزاف، والتفاعل إلى عادة تسرق منا الوقت والانتباه دون أن نشعر، فيصبح انتباهنا سلعة تتنافس المنصّات على امتلاكها.

تلك العبارة القديمة تبدو هنا أكثر حضورًا من أي وقت مضى: نفسك إن لم تشغلها بالحق، شغلتك بالباطل.

ولستُ وصيًا على حياة أحد، ولا أملك حق تحديد ما ينبغي للآخرين أن ينشروا أو يتابعوا. لكل إنسان مساحته الخاصة، وخياراته، وطريقته في استخدام هذه المنصات.

لكنها مجرد همسة في أذن من أحب:
رفقًا بأنفسكم.

ليس كل ما نعيشه يحتاج إلى صورة، وليس كل لحظة جميلة تحتاج إلى جمهور، وليس كل تفاصيل حياتنا تصلح لأن تصبح مادة متاحة للآخرين. فالخصوصية ليست نقصًا في الحضور، والصمت ليس غيابًا، والاحتفاظ ببعض الأشياء لأنفسنا قد يكون شكلًا من أشكال الحكمة.

وانتبهوا أيضًا إلى الصورة التي تصنعونها عن أنفسكم؛ فما ننشره اليوم قد يصبح غدًا جزءًا من ذاكرة الآخرين عنا.

ربما لا نحتاج إلى مقاطعة مواقع التواصل، بقدر ما نحتاج إلى استعادة قدرتنا على استخدامها دون أن تستخدمنا.

ففي النهاية، ليست المشكلة في أن نشارك صورة من الماضي، أو نجيب عن «ترند» عابر، وإنما في أن نكتشف، بعد وقت طويل، أنّ كثيرًا ممّا شغلنا لم يكن مهمًّا أصلًا، وأنّنا كنّا نركض خلف موجةٍ رقميّةٍ تتبدّل كلّ يوم، بينما كانت حياتنا في الواقع تمضي في اتّجاهٍ آخر، وأنّ الخوارزمية كانت تختار لنا ما ننشغل به، بينما كان العالم يمضي من حولنا دون أن نلتفت، أو نشعر، أو يتحرّك فينا ساكنٌ تجاه ما يُصيب إخوتنا في الإنسانيّة.

ولعلّ أخطر ما يمكن أن تفعله بنا الخوارزميات أن تعيد ترتيب أولويّاتنا من حيث لا نشعر؛ أن تجعل العابرَ مهمًّا، والمهمَّ عابرًا، وأن تُكثر أمام أعيننا ما يلهينا، حتى نعتاد المشهد، ويبهت فينا الإحساس.

فالمشكلة أن نفقد القدرة على التمييز بين ما يملأ الوقت وما يستحقّ العمر.

ولعلّ السؤال الذي يستحقّ أن يبقى معلّقًا بحقٍّ: مَن الذي يختار لي ما يستحقّ أن يشغل قلبي ووقتي وانتباهي؟


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا