ولنا مع الوطن لقاء… وإن طال المنفى
ليس الغريبُ من فارق أرضاً إلى أرض، ولا من عبر بحراً أو اجتاز حدوداً رسمتها السياسة على خرائط العالم، الغريب حقّاً هو الذي يحمل وطنه في قلبه أينما ذهب، ثم يراه كلَّ يومٍ يبتعد عنه وهو عاجزٌ عن الوصول إليه. فالغربة ليست مسافةً تُقاس بالكيلومترات، وإنما جرحٌ يمتدُّ بين القلب وما يحب، بين الإنسان وأول مكانٍ تعلَّم فيه معنى الانتماء.
في المهجر تبدو الحياة للوهلة الأولى أكثر هدوءاً، وقد تكتمل فيها أسباب الراحة التي يفتقدها كثيرون، لكنّ الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، ولا بالطمأنينة المادية وحدها. هناك أشياء لا تُشترى ولا تُعوَّض؛ رائحة الأزقة القديمة، وصوت المؤذن الذي أَلِفَته النفس، ولهجة الناس التي تشبه دفءَ العائلة، والوجوه التي تحفظ تفاصيل العمر. تلك الأشياء الصغيرة التي كان المرء يمرُّ بها دون أن يلتفت إليها، تتحول في المنفى إلى كنوزٍ لا تُقدَّر بثمن.
وما أقسى أن يكون الوطن جريحاً في الوقت الذي تكون فيه بعيداً عنه. فالغريب لا يعاني فقط من فراق المكان، بل يعاني من عجزه عن مشاركته آلامه. يفتح هاتفه كل صباح، فيجد صوراً لمدنٍ يعرف حجارتها كما يعرف خطوط كفّه، وقد غطّاها الخراب أو أثقلها الاحتلال. يرى الشوارع التي شهدت طفولته محاصرةً بالخوف، ويرى البيوت التي كانت تضجُّ بالحياة وقد صارت تروي حكايات الفقد. عندها يشعر أن المسافات ليست أرقاماً، بل قيودٌ تُكبِّل القلب وتمنعه من الركض نحو وطنه.
وليس شرطاً أن يعيش الإنسان في وطنه حتى يكتوي بوجعه، فبعض الأوطان تسكن أبناءها قبل أن يسكنوها. وبعض الحنين يُورَّث كما تُورَّث الملامح والأسماء.
قال أحدهم: ما عرفته عن وطني من طرقاته وشوارعه وأشجاره، عرفته من أحاديث أبي في أمسيات الغربة الطويلة. كنت أراه كلما ذكر الوطن يتغيّر؛ يلين صوته، وتسرح عيناه بعيداً كأنهما تعبران المسافات إلى مكانٍ لا يراه سواه. كان يتحدث عن الأزقة القديمة كما يتحدث المرء عن أحبّ الناس إلى قلبه، وعن البيوت التي غادرها كما لو أنه خرج منها بالأمس فقط.
ومنذ طفولتي، كنت أستمع إلى حنينه دون أن أدرك أن شيئاً منه كان يستقرّ في داخلي. كانت كلماته تزرع الوطن في روحي حبّةً حبّة، حتى صار جزءاً من تكويني، وصرت أشعر نحوه بمشاعر لا تفسير لها إلا أن الحب ينتقل أحياناً من الآباء إلى الأبناء كما تنتقل الدعوات الصادقة.
ولهذا، حين أرى ما يصيب الوطن من قهرٍ واحتلالٍ ووجع، لا أشعر أنني أتابع خبراً بعيداً على شاشة، أشعر أن جزءاً من ذاكرتي يُجرح، وأن شيئاً من حنين أبي يُثقل قلبي. فالوطن الذي عاش في أحاديثه سنواتٍ طويلة، عاش في داخلي أنا أيضاً. وما أكثر الأوطان التي يسكنها أبناؤها بالحب قبل أن يسكنوها بالجسد!
إنّ الإنسان حين يغادر أرضه يحمل معه ذكرياته، لكنه لا يعلم أن الذكريات ستتحول مع الوقت إلى وطنٍ موازٍ يسكنه في الداخل. وكلما اشتدّ الحنين عاد إلى ذلك الوطن الداخلي، يتجول بين صوره القديمة، ويستعيد وجوه الأحبة الذين فرّقتهم المنافي أو غيّبتهم السنون. هناك، في تلك المساحة الخفية من الروح، يبقى الوطن حيّاً مهما تغيّرت الخرائط وتبدّلت الأحوال.
ولعلّ أشدّ ما يؤلم المغترب أن يرى وطنه تحت الاحتلال أو القهر، بينما يُطلب منه أن يعيش حياته بصورة طبيعية. كيف يستطيع أن يضحك ملء قلبه، وهو يعلم أن هناك من يبكي في الأرض التي أحبها؟ وكيف يطمئن إلى مستقبله، بينما حاضر وطنه مهددٌ في كل لحظة؟ إنّ الغريب يعيش انقساماً دائماً بين جسده الذي استقر في مكانٍ جديد، وروحه التي بقيت معلّقةً فوق سماء الوطن.
وفي لحظات الصمت الطويلة، يكتشف الإنسان أن الوطن لم يكن يوماً مجرد بقعة جغرافية. الوطن معنى. والوطن ذاكرة. والوطن هو ذلك الجزء من الروح الذي لا يمكن اقتلاعه مهما ابتعدت المسافات. قد يسكن المرء أجمل المدن، وقد يرى من العالم ما لم يكن يتخيله، لكنه يظل يشعر أن شيئاً ما ينقصه، وأن هناك فراغاً لا يملؤه شيء سوى العودة.
إنّ الاحتلال لا يسرق الأرض وحدها، فهو يحاول أن يسرق الطمأنينة من قلوب أبنائها أينما كانوا. فحتى الذين ابتعدوا آلاف الأميال يبقون أسرى القلق على وطنهم. يتابعون الأخبار بقلوبٍ مرتجفة، ويبحثون في كل خبرٍ عن بارقة أمل، وعن إشارةٍ تقول إن الفجر ما زال ممكناً. وربما لهذا السبب لا ينام المغترب على وسادته وحدها، وإنما ينام على هموم وطنٍ كامل يحمله معه في غربته.
ومع ذلك، يبقى الأمل هو آخر ما يتخلى عنه الإنسان. فالأوطان، مهما أثقلتها الجراح، لا تموت. والتاريخ علّمنا أن الليل مهما طال لا يستطيع أن يمنع مجيء الصباح. قد تتأخر العودة، وقد تطول سنوات الانتظار، وقد يشيخ الحنين في القلوب، لكن الوطن يظلّ موعداً مؤجلاً لا يسقط من الحساب. وكل مغترب يحمل في أعماقه يقيناً خفياً بأن الطريق التي ابتعد بها يوماً ما ستقوده في النهاية إلى حيث بدأ.
ولهذا لا يعيش الغريب على الذكريات وحدها، بل يعيش على الوعد أيضاً. وعد اللقاء. وعد العودة. وعد أن يرى وطنه حرّاً كما حلم به دائماً. فبينه وبين الوطن حكاية لم تنتهِ بعد، مهما حاولت المنافي أن تكتب خاتمتها. وما دام القلب ينبض باسم الأرض الأولى، فإن الخيط الذي يربط الإنسان بوطنه سيبقى أقوى من كل المسافات.
ولنا مع الوطن لقاء… ليس لأنه مكان وُلدنا فيه فحسب، إنّما لأنه ببساطة الجزء الذي وُلد فينا ولم يغادرنا يوماً. لقاءٌ تؤجله الأيام، وتعرقله الحدود، وتثقله الجراح، لكنه يبقى حاضراً في الدعاء، وفي الحنين، وفي كل نبضة قلب. لقاءٌ ننتظره كما ينتظر العطشان الماء، وكما تنتظر الأرض فجرها بعد ليلٍ طويل.
فإن طال المنفى، وطالت معه السنوات، وطالت مشاهد الألم التي تلاحق أرواحنا من بعيد، يبقى اليقين قائماً بأن الأوطان لا تنسى أبناءها، وأن الأرواح التي خرجت منها يوماً ستعود إليها يوماً ما. وعندها فقط سيدرك الغريب أن الشوق لم يكن عبثاً، وأن كل هذه السنوات لم تكن سوى طريقٍ طويلٍ إلى لحظة واحدة يقول فيها:
ها أنا ذا يا وطني… قد عدت.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇


