ظاهرة ادّعاء المثالية المطلقة في المهجر
ثمة ظاهرة تتسلل بهدوء إلى بعض مجتمعات المهجر، لا تُرى بالعين المجردة، ولا تُقاس بالإحصاءات والدراسات، لكنها تترك أثراً عميقاً في النفوس والعلاقات. إنها ظاهرة ادّعاء المثالية المطلقة؛ ذلك السلوك الذي يجعل بعض الناس يظهرون كما لو أنهم بلغوا مرتبة من الكمال الإنساني لم يبلغها بشر، وكأنهم تحرروا من الأخطاء والعيوب والصراعات التي ترافق الإنسان منذ خُلق على هذه الأرض.
في بلاد الغربة، حيث تتباعد المسافات بين الإنسان وجذوره الأولى، تنشأ حاجة خفية إلى صناعة صورة جديدة للذات. فالمهاجر لا يحمل حقيبته فقط، فهو يحمل معه أيضاً ذاكرته وخساراته وأحلامه وقلقه وأسئلته. وحين يجد نفسه في مجتمع جديد، يبدأ أحياناً ببناء نسخة مثالية عن نفسه، نسخة لا تشبه الإنسان الحقيقي بقدر ما تشبه تمثالاً مصقولاً بعناية.
تراه يتحدث عن نجاحاته ولا يذكر إخفاقاته، وعن فضائله ولا يقترب من نقائصه، وعن حكمته وكأنها وحيٌ لا يخطئ. يروي قصته كما يروي المؤرخ سيرة بطل أسطوري، لا كما يروي إنسانٌ رحلته المليئة بالعثرات والانكسارات.
لكن المشكلة لا تكمن في الرغبة بتحسين الصورة أو الحفاظ على الكرامة، فذلك أمر مفهوم وطبيعي، بل تكمن في تحوّل هذه الصورة إلى قناع دائم. والقناع، مهما كان جميلًا، يظل حاجزًا بين الإنسان وحقيقته.
في إحدى زوايا المهجر، قد تجلس في مجلس يضم عشرات الأشخاص، فتسمع حديثاً يوحي بأن الجميع ناجحون، والجميع سعداء، والجميع يربّون أبناءهم بطريقة مثالية، والجميع يعيشون حياة مستقرة لا تشوبها المشكلات. للحظة قد يظن الغريب أن هذا المجتمع قد تجاوز الطبيعة البشرية نفسها، وأن سكانه قد صاروا ملائكة تمشي على الأرض.
لكن ما إن تنطفئ الأضواء وتغلق الأبواب حتى تبدأ الحكاية الأخرى. هناك قلق لا يُقال، ووحدة لا تُروى، وخلافات عائلية لا تظهر في الصور، وخيبات متراكمة يدفنها أصحابها تحت طبقات من الابتسامات المتقنة.
إن ادّعاء المثالية المطلقة ليس دليل قوة كما يظن البعض، فهو قد يكون في كثير من الأحيان تعبيراً عن خوف عميق. خوف من الاعتراف بالنقص، وخوف من نظرة المجتمع، وخوف من سقوط الصورة التي بُنيت خلال سنوات طويلة.
ولعل وسائل التواصل الاجتماعي قد منحت هذه الظاهرة وقوداً إضافياً. فقد صار الإنسان يعرض حياته كما يعرض التاجر بضاعته في واجهة متجر أنيقة. تُنشر اللحظات المضيئة، وتُخفى العتمة. تُعرض الإنجازات، وتُدفن الهزائم. حتى أصبح كثيرون يعيشون داخل نسخة رقمية من ذواتهم أكثر مما يعيشون داخل ذواتهم الحقيقية.
والمفارقة أن الذين يشاهدون تلك الصور يظنون أن الآخرين يعيشون حياة كاملة، فيقارنون واقعهم المتعب بصور مثالية مصطنعة، ثم يشعرون بالنقص والفشل. وهكذا تتحول المثالية المزعومة إلى دائرة من الوهم الجماعي؛ كل فرد فيها يخفي جراحه لأنه يعتقد أن الآخرين بلا جراح.
فلسفياً، تنبع هذه الأزمة من سوء فهم عميق لمعنى الإنسان. فالإنسان ليس مشروع كمال، الإنسان مشروع سعي. ليس عظيماً لأنه لا يخطئ، ولكن هو عظيمٌ لأنه يتعلم من أخطائه. وليس نبيلاً لأنه لا يسقط، ولكن لأنه ينهض بعد السقوط.
لقد أدرك الحكماء منذ قرون أن النقص جزء من التكوين الإنساني. فالروح تنمو عبر التجربة، والتجربة لا تولد إلا من الاحتكاك بالفشل والألم والأسئلة. أما الإنسان الذي يدّعي الكمال، فإنه يحرم نفسه من أعظم فرص النمو: فرصة الاعتراف بحدوده.
وفي المهجر تحديداً، تبدو هذه الحقيقة أكثر أهمية. فالغربة ليست امتحاناً للنجاح الاقتصادي فقط، فهي امتحان للصدق مع الذات. إنها تكشف الإنسان أمام نفسه، وتضعه في مواجهة مباشرة مع أسئلته الكبرى: من أنا؟ ماذا أريد؟ وما الذي بقي مني بعد أن ابتعدت عن المكان الذي شكّل هويتي؟
غير أن البعض يهرب من هذه الأسئلة نحو صناعة صورة مثالية. فيصبح منشغلاً بإقناع الآخرين بأنه بخير أكثر من انشغاله بأن يكون بخير فعلاً. ويصبح همه الحفاظ على المكانة الاجتماعية أكثر من الحفاظ على سلامه الداخلي.
والنتيجة غالباً حياة مرهقة. فالقناع يحتاج إلى صيانة دائمة، والصورة المثالية تحتاج إلى حراسة مستمرة. وكلما اتسعت الفجوة بين الحقيقة والصورة ازداد التعب النفسي وازدادت مشاعر العزلة.
أما الإنسان الصادق مع نفسه، فهو أكثر راحة وإنسانية. لا يخجل من الاعتراف بتعثره، ولا يرى في الخطأ فضيحة، ولا يعتبر طلب المساعدة ضعفاً. إنه يدرك أن البشر يتشابهون في هشاشتهم أكثر مما يتشابهون في نجاحاتهم.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقدمه المهاجر لمجتمعه ليس صورة البطل الذي لا يخطئ، ولكن صورة الإنسان الحقيقي الذي يكافح ويتعلم ويقع ثم ينهض. فهذه الصورة وحدها تمنح الآخرين الأمل، لأنها تقول لهم إن النجاح لا يشترط الكمال، وإن الحياة لا تُقاس بعدد العثرات التي تجنبناها، ولكن بعدد المرات التي واصلنا فيها السير رغم العثرات.
إن ادّعاء المثالية المطلقة في المهجر هو انعكاس لخوف الإنسان من رؤية نفسه كما هي. غير أن التحرر الحقيقي يبدأ حين نكسر هذا الانعكاس الزائف، ونجرؤ على مواجهة حقيقتنا بكل ما فيها من قوة وضعف، ومن نور وظلال.
عندها فقط يصبح المهجر مكاناً للنضج لا للمظاهر، وللصدق لا للاستعراض، وللإنسانية لا للبطولات الوهمية. وعندها فقط ندرك أن أجمل ما في الإنسان ليس كماله، ولكن نقصه الذي يجعله إنساناً.
الرابط المختصر هنا ⬇