هل ما زالت غزة تعبر خاطرنا؟
يهدأ الخبر ولا يهدأ الوجع
هل تجول غزة في خاطرنا هذه الأيام؟
السؤال يبدو بسيطًا، لكنه ليس كذلك.
فغزة لم تعد مكانًا بعيدًا على الخريطة، ولا خبرًا نمرّ عليه في هواتفنا ثم ننتقل إلى خبر آخر. لقد دخلت، منذ زمن، إلى منطقة أكثر قسوة في وعينا؛ إلى ذلك الركن الذي نضع فيه الأشياء التي لا نملك لها حلًا، لكننا لا نستطيع أن ننسى أنها حدثت.
غير أن الأيام تفعل فعلها.
تأتي الأخبار أولًا كالصاعقة، فنقف طويلًا أمام الصور، نحصي الشهداء، نبحث عن أسماء نعرفها، نتساءل عن الذين لم نعرف أسماءهم أصلًا، ثم نغضب، ونبكي، ونكتب، ونتحدث، ونشارك، ونشعر أن العالم كله لا بد أن يتوقف أمام هذا الوجع.
ثم تمر الأيام.
تتراجع غزة قليلًا من واجهة الشاشة؛ لأن العالم اعتاد الألم.
وهنا تكمن المأساة الثانية: أن يتحول ما كان يهزّنا إلى مشهد مألوف.
نعود إلى أعمالنا، إلى مقاهينا، إلى تفاصيل البيوت، إلى مواعيدنا الصغيرة، إلى ضحكاتنا التي نشعر أحيانًا أننا نسرقها من بين ركام بعيد. نفتح هواتفنا فنرى غزة، ثم نمرر الشاشة. وقد لا نمررها لأن القلب، حين يعجز عن حمل شيء طويلًا، يتعلم كيف يضعه في زاوية صامتة داخله.
لكن هل يعني ذلك أننا نسينا؟
ربما لا.
ربما غزة لا تحتاج منا أن نبقى طوال الوقت في حالة صدمة، ولا أن نحول حزننا إلى استعراض دائم، وإنما تحتاج ألا نسمح للزمن بأن يجعل المأساة عادية.
أن نتذكر أن خلف كل رقم إنسانًا كان له اسم ووجه وأم تنتظره، وأب يخبئ خوفه، وطفل كان يمكن أن يكبر، وبيت كان يمكن أن يبقى بيتًا، وحياة كاملة كان ينبغي لها أن تستمر.
غزة ليست عددًا في شريط الأخبار.
وليست صورة عابرة بين إعلانين.
وليست قضية نستعيدها حين تتصدر العناوين، ثم نضعها جانبًا حين تنشغل الدنيا بغيرها.
غزة امتحان لذاكرتنا قبل أن تكون امتحانًا لمشاعرنا.
لأن التضامن السهل هو أن نبكي حين تبكي الشاشات كلها، أما الوفاء الحقيقي فهو أن تبقى القضية حيّة فينا حين تصمت الشاشات.
أن نتذكر ونحن نشتري حاجاتنا، ونحتفل بمناسباتنا، ونسافر، ونضحك، ونشكو من تفاصيل صغيرة، أن هناك من فقد كل شيء دفعة واحدة.
ولعل أقسى ما يمكن أن يحدث لغزة ليس أن نختلف حولها، ولا أن تعجز كلماتنا عن وصف مأساتها؛ بل أن نعتادها.
أن يصبح الطفل الذي يُنتشل من تحت الركام مشهدًا مألوفًا.
أن يصبح البيت المهدّم رقمًا جديدًا.
أن يصبح الموت خبرًا عاديًا.
وأن نصل، من فرط التكرار، إلى اللحظة التي لا يعود فيها وجع الآخرين قادرًا على اختراق يومنا.
لذلك، أي مكان أعطيناها في قلوبنا؟
هل تركناها في مقدمة الذاكرة، أم دفناها تحت ركام الأخبار؟
هل ما زلنا نتوقف عند صورها، أم أصبحنا نتجاوزها كما نتجاوز كل شيء؟
هل ما زلنا نشعر أن وراء كل صورة إنسانًا، أم تحولت المأساة في أعيننا إلى أرقام؟
غزة لا تطلب منّا أن نحزن إلى الأبد؛ فالحياة، رغم كل شيء، لا بد أن تستمر.
لكنها تطلب شيئًا أصعب:
ألا نسمح للحياة أن تجعلنا أقل إنسانية.
أن نفرح، دون أن ننسى.
أن نعيش، دون أن نعتاد موت الآخرين.
أن نمضي في أيامنا، لكن نترك في القلب نافذة مفتوحة على أولئك الذين لم تعد لهم أيام.
فربما تكون الذاكرة، في زمنٍ سريع النسيان، آخر ما نستطيع أن نقدمه لمن غابوا.
وغزة، التي أثقلها الركام، لا ينبغي أن يثقلها أيضًا نسياننا.
فهل مرّت غزة في خاطرك اليوم؟
إن كان الجواب نعم، فلا تدعها تمرّ كخاطر عابر.
توقّف قليلًا؛ فثمّة وجعٌ في مكان ما من العالم، ما زال ينتظر أن يبقى له مكان في ضميرنا.
الرابط المختصر هنا ⬇


