العرب في بريطانيا | بين الأمازيغي والفينيقي والآشوري..لماذا أصبح بع...

بين الأمازيغي والفينيقي والآشوري..لماذا أصبح بعض العرب يخجلون من العروبة؟

بين الأمازيغي والفينيقي والآشوري… لماذا أصبح بعض العرب يخجلون من العروبة؟ بقلم: أميرة عليّان تبلو
أميرة عليان تبلو يونيو 13, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

في كل مرةٍ يُطرح فيها سؤال الهوية في عالمنا العربي، يخرج من يقول: أنا أمازيغي ولست عربيّاً، أو أنا فينيقي ولست عربيّاً، أو أنا آشوري ولست عربيّاً، أو أنا إفريقي قبل أن أكون عربيّاً. وكأن هذه الانتماءات أصبحت في نظر البعض نقيضاً للعروبة، لا جزءاً من فسيفسائها التاريخية الواسعة.

والحقيقة أن المشكلة لا تكمن في اعتزاز الإنسان بأصوله وجذوره، فذلك حق طبيعي ومشروع، المشكلة في الاعتقاد بأن إثبات هوية ما يقتضي بالضرورة نفي الهوية العربية أو إعلان القطيعة معها. وهنا يبدأ الخلط، وتبدأ الأزمة.

فالعروبة التي يتحدث عنها المؤرخون وعلماء الاجتماع اليوم ليست سلالة دم مغلقة، وليست سجل أنساب يعود إلى قبائل الجزيرة العربية فحسب. ولو كانت كذلك لما أمكن وصف أغلب شعوب العالم العربي بالعربية أصلاً. فالمصريون يحملون إرثاً فرعونيّاً ضارباً في التاريخ، والمغاربة والجزائريون والتونسيون يحملون إرثاً أمازيغياً عريقاً، والعراقيون ورثة حضارات آشور وبابل وسومر، واللبنانيون أبناء أرض عرفت الفينيقيين قبل آلاف السنين.

لكن السؤال الحقيقي ليس: من كان أجدادنا قبل ألفي عام؟

بل: ما الإطار الحضاري الذي نعيش فيه اليوم؟

فاللغة التي نتعلم بها، ونكتب بها، ونفكر بها، ونتواصل، وننتج أدبنا وثقافتنا ووعينا الجمعي من خلالها هي اللغة العربية. والتاريخ المشترك الذي صنع وجدان المنطقة خلال أربعة عشر قرناً كُتب في معظمه بالعربية. والفضاء الثقافي الذي جمع هذه الشعوب المتنوعة حمل اسم الحضارة العربية الإسلامية.

ولهذا فإن العروبة في معناها الحديث أقرب إلى الانتماء الحضاري والثقافي منها إلى الادعاء العرقي الضيق.

ومن المفارقات اللافتة أن أحداً لا يستغرب أن يكون سويسرياً ناطقاً بالفرنسية دون أن يكون من أصول فرنسية، أو أن يكون أمريكياً يتحدث الإنجليزية دون أن يكون إنجليزي الأصل، لكن بعض الناس يستغربون أن يكون أمازيغي الأصل وعربي الثقافة واللسان في الوقت نفسه.

وكأن الهوية العربية وحدها مطالبة دائماً بإثبات شرعيتها.

والأغرب من ذلك أن بعض الأصوات التي ترفض الانتساب إلى العروبة لا تفعل ذلك بدافع البحث التاريخي، ولكن بدافع النفور النفسي أو الموقف السياسي. فالإحباط من الواقع العربي، أو الخلاف مع مشاريع قومية سابقة، أو الاعتراض على سياسات دول معينة، كلها تحولت عند البعض إلى خصومة مع مفهوم العروبة ذاته.

وهنا يقع الخلط بين الفكرة وأخطاء من رفعوا شعارها.

فلا أحد يطالب الأوروبي بالتخلي عن هويته الأوروبية بسبب حرب نشبت بين دولتين أوروبيتين، ولا يطالب الإفريقي بإنكار انتمائه الإفريقي بسبب أزمات القارة. فلماذا تصبح العروبة وحدها موضع اتهام كلما تعثر الواقع السياسي؟

ثم إن العلاقة بين العربية والإسلام تمنح هذه القضية بعداً أعمق.

فاللغة العربية هي لغة القرآن الكريم، ولسان السنة النبوية، والمفتاح الذي فُتح به باب واحد من أعظم التراثات العلمية والفكرية في تاريخ الإنسانية.

لقد حفظ الله كتابه بالعربية، وحفظ العربية بكتابه.

ومن هنا فإن احترام العربية ليس تعصباً قوميّاً، ولكن اعتراف بقيمة حضارية وروحية استثنائية اكتسبتها هذه اللغة عبر القرون.

ومع ذلك فإن الإسلام نفسه لم يجعل العروبة معيار فضل بين البشر. فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي شرف الله به العرب لم يحصر رسالته فيهم، أخرجها إلى الإنسانية كلها، وأعلن بوضوح أن ميزان التفاضل هو التقوى والعمل الصالح، لا اللون ولا النسب ولا العرق.

لذلك لا تعارض بين أن يعتز الإنسان بأمازيغيته أو آشوريته أو فينيقيته أو إفريقيته، وبين أن يعترف بانتمائه إلى الفضاء العربي الذي يعيش فيه ويتحدث لغته ويحمل جزءاً من تراثه.

فالهوية ليست صندوقاً مغلقاً يختار الإنسان منه بطاقة واحدة ويلقي بسائر البطاقات في البحر.

الإنسان يستطيع أن يكون مغربياً وأمازيغياً وعربياً ومسلماً في آن واحد، كما يستطيع أن يكون عراقياً وآشورياً وعربياً، أو لبنانياً وفينيقي الجذور وعربي الثقافة.

أما تحويل الخصوصيات التاريخية إلى مشروع عداء للعروبة، أو تصوير العربية وكأنها عنصر دخيل على شعوب المنطقة، فهو موقف لا تدعمه حقائق التاريخ ولا منطق الاجتماع الإنساني.

إن العروبة ليست نقيضاً للهويات المحلية، وإنّما المظلة الحضارية الكبرى التي احتضنتها، وحفظت الكثير من تراثها، ومنحتها فضاءً ثقافياً مشتركاً امتد من المحيط إلى الخليج.

ومن الحكمة أن نتصالح مع هذه الحقيقة بدل أن نستنزف طاقاتنا في معارك هوية لا رابح فيها. فالأمم القوية تبني على طبقات تاريخها كلها، ولا تهدم طبقة لتثبت أخرى، ولا تلغي انتماءً لتنتصر لانتماء.

والعاقل لا يسأل: هل أنا أمازيغي أم عربي؟ أو هل أنا آشوري أم عربي؟

بل يسأل: كيف أجمع إرثي كله في هوية متوازنة واثقة من نفسها، لا تخجل من جذورها، ولا تتنكر للغةٍ حملت كتاب ربها، وصاغت حضارتها، ووحّدت وجدانها عبر القرون.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا