العرب في بريطانيا | فما ظنّك بمن رحمك في الأولى.. أينساك في الثّانية؟

فما ظنّك بمن رحمك في الأولى.. أينساك في الثّانية؟

فما ظنّك بمن رحمك في الأولى.. أينساك في الثّانية؟
أميرة عليان تبلو مايو 23, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

يمضي الإنسان في هذه الحياة وهو يظنّ أن الأشياء تُدار بقوّته، وأن النجاة ثمرةُ حذره، وأن ما يملكه من قدرةٍ على الاحتمال يكفيه لعبور العواصف. لكنّه، كلّما تقدّم في العمر، اكتشف هشاشته الخفيّة؛ اكتشف أنّه كائنٌ معرّضٌ للكسر عند أوّل فقد، وللتيه عند أوّل ظلمة، وللانهيار حين تتزاحم الأسئلة التي لا يملك لها جواباً.

وحين تضيق به الأرض، لا يعود يبحث عن تفسيرٍ فلسفيّ للعالم، وإنّما عن يدٍ خفيّةٍ تطمئن قلبه المرتجف. هناك، في اللحظة التي يسقط فيها يقينه بالبشر وبنفسه، يبدأ يقينه بالله.

إنّ أعظم ما يربك الإنسان ليس الألم ذاته، ولكن خوفه من أن يكون متروكاً في هذا الكون. فالرّوح لا ترتعب من الجوع بقدر ما ترتعب من الوحدة، ولا من الفقد بقدر ما ترتعب من الإهمال. ولذلك كان السؤال الأبديّ الذي يسكن أعماق البشر: هل نحن حقّاً محفوظون بعين الرحمة، أم أنّنا نُلقى في الحياة ثم تُترك أرواحنا لمصيرها؟

غير أنّ المتأمّل في رحلته الأولى، يدرك أنّه لم يكن يوماً متروكاً.

تأمّل بدايتك الأولى… يوم كنتَ عدماً لا اسم لك، ولا صوت، ولا قدرة على طلب النجاة. كنت قطعة ضعفٍ مطلق، لا تعرف كيف تدفع عن نفسك خطراً، ولا كيف تستجلب رزقاً، ولا كيف تستبقي الحياة في جسدك الهشّ. ومع ذلك، هيّأ الله لك رحماً يحفظك في الظلمات الثلاث، وجعل لك قلباً ينبض قبل أن تعرف معنى النبض، ورئةً تستعدّ للهواء قبل أن تراه، وأمّاً يفيض قلبها حبّاً لك قبل أن تقع عيناها عليك.

أيُّ رحمةٍ هذه التي سبقت وجودك؟

لقد أحبّك الله قبل أن تعرف كيف تحبّه، وحفظك قبل أن تعرف كيف تدعوه، وأعطاك قبل أن تعرف كيف تسأل.
ومن هنا يبدأ اليقين.

فإذا كانت الرحمة قد أدركتك وأنت في أوّل أطوار العجز، فكيف تظنّ أنّها ستفارقك بعدما صرت تعرف الطريق إليه؟ وإذا كان الله قد دبّر أمرك وأنت جنين لا تملك لنفسك شيئاً، فكيف يتركك الآن وأنت ترفع يديك إليه بكلّ هذا الانكسار؟
إنّ الإنسان ينسى كثيراً، لكنّ الله لا ينسى.

نحن الذين تتبدّل قلوبنا، وتتسرّب المودّة من بين أصابعنا، وتبهت فينا الذكريات مع الزمن. أمّا الله، فليس في رحمته غفلة، ولا في عنايته فتور. إنّ علاقتنا بالبشر جعلتنا نخاف من فكرة “الاستبدال”؛ نخشى أن تنتهي صلاحيتنا في قلوب الآخرين، أن نُنسى حين نعجز، أو يُتخلّى عنّا حين نضعف. لذلك نسقط هذا الخوف على علاقتنا بالله، فنظنّ أنّ كثرة ذنوبنا قد تُقصينا عن رحمته، أو أنّ تكرار سقوطنا قد يجعلنا غير جديرين بالعفو.

لكنّ الله لا يعاملنا بمنطق البشر.

البشر إذا أعطوا تمنّنوا، وإذا سامحوا ذكّروك بخطئك، وإذا أحبّوا اشترطوا عليك ألّا تتغيّر. أمّا الله، فيعلم ضعفك قبل أن تخطئ، ويفتح لك الباب قبل أن تعتذر، ويقول لك في كلّ مرّة تعود فيها: تعال.

ما أعظم هذا الإله الذي لا يملّ من عباده رغم أنّهم يملّون من أنفسهم.

وما أعجب الإنسان حين يسيء الظنّ بربٍّ تولّاه منذ اللحظة الأولى لوجوده.

إنّ بعض الناس يظنّ أنّ البلاء علامة إهمال، مع أنّه قد يكون أعمق صور العناية. فالطفل يبكي حين يأخذه الطبيب إلى غرفة العلاج، لأنّه لا يفهم معنى الألم المؤقّت الذي ينقذه من وجعٍ أكبر. وكذلك الإنسان؛ كثيراً ما يقف أمام أقداره محتجّاً، لأنّه يرى الجزء المؤلم فقط، ولا يرى الرحمة المختبئة في عمق المشهد.

كم من بابٍ أُغلق فكان نجاة.
وكم من خسارةٍ بدت قاسية ثم تبيّن أنّها الطريق الوحيد للعبور.
وكم من دعوةٍ تأخّرت لأنّ توقيتها لو جاء كما أردناه لأفسدنا أنفسنا بأيدينا.

إنّ الحكمة الإلهية لا تُقاس بلحظتنا الضيّقة، بل بالصورة الكاملة التي لا نراها.

لهذا، فإنّ الإيمان الحقيقي ليس أن ترى اللطف دائماً، وإنّما أن تثق به حتى حين لا تراه.
أن تمشي في العتمة وقلبك مطمئنّ أنّ هناك يداً تقودك.
أن تخسر شيئاً وتؤمن أنّ الله لا يأخذ إلّا ليعطي ما هو أعمق.
أن تتأخّر عن حلمٍ ما، دون أن يتسرّب اليأس إلى روحك، لأنّك تعرف أنّ التدبير بيد من رحمك في البداية، ولن يخذل مسيرتك في النهاية.

ولعلّ أكثر ما يرهق الإنسان المعاصر أنّه يعيش في عالمٍ سريع النسيان؛ العلاقات هشّة، والوعود مؤقّتة، والناس يرحلون لأسبابٍ تافهة. لذلك أصبحت الطمأنينة عملة نادرة. غير أنّ القلب الذي يعرف الله حقّاً، يملك وطناً داخليّاً لا تهزّه الفوضى.

فحين يؤمن المرء أنّ الله لم ينسه يوم كان نطفةً في رحم أمّه، لن يظنّ أنّه سينساه اليوم وهو يحمل كلّ هذا الوجع.
وحين يستحضر أنّه نجا من آلاف الأشياء التي لم يكن يعلم عنها شيئاً، سيدرك أنّ العناية الإلهية ليست حدثاً عابراً، ولكن أسلوب الله الدائم في رعاية عباده.

إنّ المشكلة ليست في غياب الرحمة، المشكلة في قصر نظر الإنسان.

فنحن نريد من الله أن يشرح لنا كلّ شيء، بينما الإيمان أحياناً هو أن تسير دون شرح، مكتفياً بأنّ الذي يقودك رحيم.
وهكذا، يصبح اليقين شكلاً من أشكال السكينة؛ أن تقول لقلبك كلّما خاف:

إذا كان الله قد رحمك في الأولى… فكيف تظنّ أنّه سينساك في الثانية؟


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 23 مايو 2026
نضع بين أيديكم خريطة الطقس وأسعار الصرف في بريطانيا لهذا اليوم🌤💷 إليكم تحديثات الصباح⤵️ #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 22 مايو 2026
في رسالة صارمة إلى الحكومة البريطانية، النائب البريطاني شوكت آدم يرفض قطعًا تطبيع كراهية الإسلام؛ مؤكدًا أنه لن يصمت على تقاعس الحكومة، وسيحاسب كل تغاضى عن الإساءة إلى المسلمين في مظاهرة اليمين المتطرف. #شاهد #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 22 مايو 2026
أجواء العيد في الغربة.. كيف استعد المغاربة في بريطانيا لاستقبال عيد الأضحى؟ مع اقتراب العيد، شهدت لندن إقامة "بازار عيد الأضحى" لدار الضيافة وسط أجواء نابضة بالحياة والثقافة المغربية الأصيلة وحضور جماهيري كبير من العرب من مختلف الجنسيات. #شاهد أبرز…
𝕏 @alarabinuk · 22 مايو 2026
من أمسيات الشعر والموسيقى الكلاسيكية في قلب لندن، إلى مهرجانات المأكولات وبازارات العيد ورحلات الطبيعة في مانشستر وأكسفورد.. خارطة فعاليات متكاملة تزين عطلة نهاية الأسبوع في بريطانيا: https://alarabinuk.com/?p=226858 #لندن #مانشستر #إدنبرة #بريطانيا #العرب_في_بريطانيا #AUK
عرض المزيد على X ←