العرب في بريطانيا | لغتنا الأمّ في المهجّر.. هل يمحوها قطار الاندماج؟

لغتنا الأمّ في المهجّر.. هل يمحوها قطار الاندماج؟

لغتنا الأمّ في المهجّر.. هل يمحوها قطار الاندماج؟
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

لم تكن اللغةُ مجرّد أصواتٍ تخرجُ من الحنجرة فحسب، ولا أحرفٍ تُرصّ على الورق كأنّها زينةٌ لغوية تُستعمل عند الحاجة ثمّ تُنسى. اللّغة بيتٌ خفيّ نسكنه، وإن ظننّا أننا نسكن المدن. هي الذاكرةُ حين يشيخُ كلُّ شيء، وهي الملامحُ التي لا تستطيعُ الغربةُ أن تنتزعها كاملةً مهما اشتدّت قسوتها. ولعلّ أكثر ما يخشاهُ الإنسانُ في المهجّر ليس فقدانَ البيت وحده، ولكن فقدانُ اللغة التي كان ينادي بها أمَّه، ويصلّي بها إلى الله، ويحكي بها أوجاعه الأولى.

في المهجر، تبدأُ اللغةُ الأمّ كأنها شجرةٌ اقتُلعت من ترابها، ثم زُرعت في أرضٍ جديدة لا تعرفُ رائحتها. تحاولُ أن تتأقلم، أن تُزهر رغم البرد، أن تحفظ ماءَ هويتها أمام رياح الاندماج العاتية. لكنّ السؤال الذي يتكرّر كلَّ يومٍ بصوتٍ خافتٍ يشبه الخوف: هل يستطيعُ قطارُ الاندماج السريع أن يمحو لغتنا الأمّ؟ وهل يتحوّلُ الأبناءُ الذين وُلدوا بعيداً عن أوطانهم إلى غرباء عن لغة آبائهم، حتى وإن حملوا أسماءهم نفسها؟

إنّ الاندماجَ في عمقه ليس خطيئة. فالإنسانُ يحتاجُ إلى أن يفهم المجتمع الذي يعيش فيه، وأن يتقن لغته كي يعملَ ويتعلّمَ ويصنعَ حياةً كريمة. لكنّ المشكلة تبدأ حين يتحوّلُ الاندماجُ من وسيلةٍ للتواصل إلى مقصلةٍ للهويّة. حين يُقنعُ الإنسانَ أنّ عليه أن يخلع لغته القديمة كما يخلع معطفاً قديماً لم يعد يليقُ بعصر السرعة. هنا تبدأُ الكارثة الصامتة؛ لأنّ اللغة إذا ماتت داخل العائلة، ماتت معها أشياء كثيرة لا تُرى.

كم من طفلٍ عربيّ في المهجر أصبح يفهمُ لغة أمّه ولا يستطيعُ الردّ بها؟ وكم من أبٍ جلسَ إلى مائدة الطعام يحدّث أبناءه بالعربية، بينما يجيبونه بلغةٍ أخرى باردة لا تحمل دفءَ الحكايات الأولى؟ المشهدُ يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة إعلانٌ تدريجيّ عن انقطاع الجذور. فاللغة ليست وسيلةَ تواصلٍ فحسب، فهي طريقةٌ في الإحساس بالعالم. هناك كلماتٌ عربية لا تستطيعُ أيُّ لغةٍ أخرى أن تحمل روحها كاملة؛ كلماتٌ خُلقت من حرارة الصحراء، ومن بكاءِ الأمهات، ومن صوتِ الأذان عند الفجر، ومن الشعر الذي كان العرب يعلّقونه على أبواب الزمن.

وحين يفقدُ الطفلُ لغته الأمّ، فإنه لا يفقدُ مفرداتٍ فقط، وإنّما يفقدُ نافذةً كاملةً على ذاته. يصبحُ معلّقاً بين عالمين؛ لا هو ذابَ تماماً في المجتمع الجديد، ولا بقيَ متصلاً كليّاً بأرضه الأولى. كأنّه إنسانٌ يحملُ جوازَ سفرين وروحاً ممزّقة. وهذا التمزّق لا يظهرُ دائماً في الكلام، وإنّما يظهرُ أحياناً في شعورٍ غامض بالاقتلاع، وفي حنينٍ لا يعرفُ الإنسانُ مصدره.

الغربةُ لا تسرقُ اللغات دفعةً واحدة، فهي تفعلُ ذلك بهدوءٍ شديد. تبدأُ المسألةُ من المدرسة، حيث يقضي الطفلُ معظمَ يومه بلغةٍ أخرى. ثم تأتي وسائلُ التواصل، والأصدقاء، والأغاني، والأفلام، حتى تصبحُ اللغةُ الأمّ ضيفاً ثقيلاً على لسانه. ومع الوقت، تبدأُ العائلة نفسها بالتنازل؛ فيتحدّث الأبوان مع أبنائهما باللغة الأجنبية بحجة “التسهيل”، غير منتبهين إلى أنهم يضعون أولَ مسمارٍ في نعش اللغة التي حملتهم عبر التاريخ.

ومع ذلك، فإنّ اللغة العربية تحديداً ليست لغةً سهلةَ الموت. لقد عبرت قروناً من الاحتلالات والانكسارات والحروب، وبقيت حيّةً كأنّ فيها سرّاً إلهياً يحرسها. لغةٌ استطاعت أن تحمل القرآن والشعر والفلسفة والعلم، لا يمكن أن تنهار بسهولة أمام حدود الجغرافيا. لكنّ بقاءها لا يحدثُ تلقائياً، فهو يحتاجُ إلى وعيٍ وإرادةٍ وحبّ.

إنّ الطفلَ لا يتعلّق بلغته عبر الدروس وحدها، ولكن عبر العاطفة. حين يسمعُ أمّه تغنّي له بالعربية، وحين يضحكُ مع جدّته في مكالمةٍ طويلة، وحين تُحكى له القصصُ قبل النوم بلسانٍ عربيّ دافئ، فإنّ اللغة تتحوّلُ في داخله إلى شعورٍ بالأمان، لا إلى مادةٍ دراسية ثقيلة. اللغة التي ترتبطُ بالحبّ تبقى، أمّا اللغة التي تُقدَّم كواجبٍ جافّ فغالباً ما تسقطُ من الذاكرة عند أول فرصة.

وفي الحقيقة، لسنا مضطرّين للاختيار بين الاندماج واللغة الأمّ، كأنّهما نقيضان لا يلتقيان. الإنسانُ قادرٌ على أن يحمل أكثر من لغة دون أن يخونَ جذوره. ثمّ إنّ أجملَ أشكال الاندماج هو ذاك الذي يسمحُ للمرء أن يكونَ جزءاً من المجتمع الجديد دون أن يذوب فيه ذوبانَ الملح في الماء. فاللغاتُ لا تتقاتل بالضرورة، وإنما تتعايش داخل الروح الواعية. والطفلُ الذي يتقنُ لغتين لا يملك لسانين فقط، فهو يملكُ نافذتين لرؤية العالم.

لكنّ الخطر الحقيقي يبدأ حين يشعرُ الأبناء بالخجل من لغتهم الأمّ. حين تتحوّل العربية في نظر بعضهم إلى علامةٍ على “الاختلاف” الذي يريدون الهرب منه. هنا لا تكون المشكلة في اللغة نفسها، المشكلة تكمن في الإحساس المهتزّ بالهويّة. فالإنسانُ الذي يصالح نفسه مع أصله لا يخجلُ من لغته، حتى وإن تحدّث بعشر لغاتٍ أخرى.

إنّ الأممَ التي حافظت على لغاتها في المنافي لم تفعل ذلك بالقوة، فعلته بالاعتزاز. الصينيون يحملون لغتهم معهم أينما ذهبوا، وكذلك الأتراك والهنود وغيرهم. اللغةُ تعيش حين يؤمن أهلها بأنها ليست عبئاً، بل كنزاً.

وربما كان أكثر ما يؤلم في قضية اللغة، أنّ الأوطان يمكن أن تُفقد مرةً واحدة، أمّا اللغة فتُفقد كلَّ يوم. تُفقد حين نصمتُ عنها، حين نستبدلُ كلماتها دون ضرورة، حين نعتبرُها أقلَّ شأناً من لغة العالم الأقوى. ومع ذلك، فإنّ اللغة التي استطاعت أن تنجو من قرون التهميش قادرةٌ على النجاة أيضاً من الغربة، إذا وجدَت من يحملها بمحبة.

لغتنا الأمّ ليست مجرد ماضٍ نتمسك به خوفاً من التغيير، لغتنا هي الجسرُ الذي يعبرُ بنا نحو المستقبل دون أن نسقط من ذاكرتنا. والاندماج الحقيقي لا يعني أن نُطفئ أصواتنا القديمة كي نُرضي العالم، ولكن أن نضيف أصواتاً جديدة إلى أرواحنا دون أن نفقد النبرة الأولى.

فهل يمحو قطارُ الاندماج لغتنا الأمّ؟

ربما يستطيعُ أن يُضعفها، أن يؤجل حضورها، أن يجعلها هامشاً في بعض البيوت. لكنه لن يمحوها تماماً ما دام هناك أمٌّ تهمس لطفلها بالعربية، وجدّةٌ تدعو لأحفادها بلهجتها الأولى، وشابٌّ يكتبُ غربته بلغةٍ ما زالت تؤمن أنّ الحروف أوطانٌ صغيرة لا تموت.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 14 May 2026
أبرز الموضوعات التي يمكنكم متابعتها اليوم عبر موقعنا الرسمي ومنصاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي 📰 🌐 http://Alarabinuk.com #العرب_في_بريطانيا #AUK #أخبار #نشرة_الأخبار #بريطانيا
𝕏 @alarabinuk · 14 May 2026
نضع بين أيديكم خريطة الطقس وأسعار الصرف في بريطانيا لهذا اليوم🌤💷 إليكم تحديثات الصباح👇 #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 13 May 2026
لا تدع بطاقة صعود الطائرة تُعطل رحلتك.. ✈️ لضمان عبور البوابات دون تأخير؛ لخصنا لك في هذا الدليل القائمة الكاملة التي توضح الشركات المُلزمة بالتذاكر الرقمية وتلك التي لا تزال تعتمد النسخ الورقية. اطّلع على الدليل الشامل من هُنا: https://alarabinuk.com/?p=225435…
𝕏 @alarabinuk · 13 May 2026
"اتهموه بأنه معادٍ للسامية لأنه مؤيد للسلام.." مستشهدةً بالهجوم الذي تعرض له زاك بولانسكي واتهامه بمعاداة السامية لأنه دعا لإيقاف العنف، تعبّر صانعة المحتوى ميراندا عن صدمتها من التناقض الصارخ في مواقف العالم، وكيف يُصبح رفض القتل جريمة تُدان. #العرب_في_بريطانيا…
عرض المزيد على X ←