ما يجمعنا أبعد من الأرض “الإنسانيّة”
ليست الأرض دائماً ما يعرّف الإنسان، ولا الجغرافيا ما يحدّد انتماءه الأخير. فثمّة رابطة أعمق، خفيّة، لا تُرى على الخرائط ولا تُختصر في الحدود: إنها الإنسانية. تلك القوّة الصّامتة الّتي تجعل إنساناً في أقصى العالم يشعر بألم إنسانٍ لم يلتقِ به يوماً، وكأنّ المسافة بينهما مجرّد وهمٍ لغوي اخترعناه لنبرّر ابتعادنا. في لحظة صدقٍ واحدة، قد يسقط كل هذا البناء، ويعود الإنسان إلى بساطته الأولى: كائنٌ يرى الألم فينحاز، يسمع النداء فيستجيب.
نحن نُولد بأسماءٍ مختلفة، بلغاتٍ متباينة، وتواريخ متناقضة أحياناً، لكنّنا نلتقي في شيءٍ لا يتبدّل: القدرة على الشعور. هذه القدرة هي وطننا الأوسع، الذي لا يحتاج إلى جواز سفر، ولا يُغلق أبوابه في وجه أحد. وحين تضيق الأوطان، أو تتنازعها الخرائط، تبقى الإنسانية مساحةً بديلة، لا تُقصي أحداً ولا تحتكرها جهة.
في هذا المعنى، يعود التضامن استعادةً لطبيعةٍ أصيلة فينا. أن يقف إنسانٌ مع آخر لا يعرفه، لأنّ بينهما قاسماً مشتركاً أعمق من كل المصالح: الكرامة. الكرامة التّي لا تتجزّأ، ولا تُمنح لفئةٍ دون أخرى، ولا تُختصر في مكانٍ دون غيره.
ولعلّ من أكثر الصور بلاغةً في تجلّي هذه الفكرة، تلك الرحلات التي انطلقت عبر البحر، حيث اجتمع أشخاصٌ من بلدانٍ بعيدة، لا يجمعهم تاريخٌ واحد ولا لغةٌ واحدة، لكن يجمعهم إيمانٌ بأنّ الظلم لا ينبغي أن يُواجَه بالصمت. ما يُشار إليه رمزياً بـ“أسطول الصمود” المتجه إلى غزة، هو فكرة عائمة على الماء: أن الإنسانية يمكن أن تتخطّى الخوف، وأن الضمير قادرٌ على الإبحار.
في تلك السفن، لم يكن الركّاب يبحثون عن مجدٍ شخصي، ولا عن بطولةٍ تُروى، ولكن عن معنى. كانوا يعرفون أنّ البحر ليس فقط طريقاً، فقد كان اختباراً، وأنّ الوصول ليس مضموناً، وأنّ الاعتراض أو الاحتجاز احتمالٌ قائم. ومع ذلك، مضوا. لأنّ الشجاعة، ليست غياب الخوف، هي القدرة على اتخاذ موقف رغم حضوره.
تتجلّى بلاغة هذا المشهد في بساطته: أناسٌ عاديون، يختارون أن يكونوا غير عاديين في لحظةٍ حاسمة. يتركون يقين الحياة اليومية، ويدخلون منطقة الاحتمال، حيث كل شيءٍ مفتوح: النهاية، المعنى، وحتى تفسير ما يفعلونه. لكنهم، في هذا الاختيار، يعيدون صياغة سؤال الانتماء: لمن ننتمي حقاً؟ للأرض التي وُلدنا عليها، أم للقيم التي نؤمن بها؟
إنّ شجاعة هؤلاء لا تكمن فقط في مواجهة قوةٍ أكبر، ولكن في كسر الحاجز النفسي الذي يفصل الإنسان عن قضايا “الآخرين”. هم لم يروا غزة كـ“مكان بعيد”، ولكن كانعكاس لضميرهم. لم يقولوا: “هذا لا يعنينا”، ولكن قالوا: “هذا يعنينا لأننا بشر”. وهنا تحديداً، تتوسّع الإنسانية من فكرةٍ مجردة إلى ممارسة حيّة.
قد يُعترض هؤلاء، وقد لا تصل السفن إلى وجهتها، لكن الرحلة نفسها تصبح المعنى. فليست كل الرحلات تُقاس بنقطة الوصول، ولكن بما تخلّفه من أثر. الأثر هنا ليس مادياً فحسب، وإنّما أخلاقي: تذكيرٌ بأنّ العالم، رغم قسوته، ما زال يحتفظ بإمكانية التعاطف، وبأنّ الإنسان قادرٌ على أن يتجاوز حدوده حين يستدعيه ضميره.
في المقابل، يكشف هذا المثال هشاشة التّصنيفات الّتي نتمسّك بها. فالغريب لم يعد غريباً حين يشاركك الألم، والقريب قد يصبح بعيداً حين يعجز عن الشّعور. تتبدّل المعايير، وتُعاد صياغة العلاقات على أساسٍ جديد: ليس من يشبهك، بل من يحسّ بك.
الإنسانية، بهذا المعنى، تجربة. تجربة تتطلّب مخاطرة، لأنّها تضعك خارج مناطق الراحة، وتجعلك ترى ما كنت تتجاهله. لكنها، في الوقت نفسه، تمنحك اتساعاً لا يُقاس. تصبح أكثر من ذاتك، دون أن تفقدها. تتجاوز حدودك، دون أن تتلاشى.
ربما لن تغيّر سفينةٌ واحدة ميزان العالم، وربما لن تُنهي رحلةٌ واحدة معاناةً طويلة. لكنّ القيمة ليست دائماً في النتائج الكبرى، وإنّما في الإصرار على الفعل، في رفض العجز كقدر، وفي اختيار الوقوف، ولو للحظة، في صفّ المعنى.
في النهاية، ما يجمعنا ليس الأرض التي نقف عليها، وإنّما الأرضية التي نقف منها: تلك المساحة الأخلاقية التي نختارها، ونبني عليها مواقفنا. هناك، في تلك المساحة غير المرئية، يلتقي البشر حقاً. كأبناء تجربة واحدة، تتعدّد وجوهها، لكن جوهرها واحد.
وهذا الجوهر هو ما يدفع إنساناً إلى ركوب بحرٍ مجهول من أجل آخر لا يعرفه، وما يجعل من شجاعةٍ فردية حكايةً إنسانية مشتركة. حكاية تقول، ببساطةٍ بليغة: إنّ ما يجمعنا، في النهاية، أبعد بكثير من الأرض.
الرابط المختصر هنا ⬇