العرب في بريطانيا | الحب وضبط المشاعر.. لا تُحاكم قلبًا لم يختر أن يحب

لا تُحاكم قلبًا لم يختر أن يحبّ

لا تُحاكم قلبًا لم يختر أن يحبّ

لا تُحاكم قلبًا لم يختر أن يحبّ

أميرة عليان تبلو سبتمبر 19, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ثمّة أشياء فينا لم نستدعِها يومًا، ولم نجلس أمامها لنقرّر إن كنا نريدها أم لا؛ تأتي كما يأتي الفجر إلى نافذة لم تفتحها يد، وكما ينبت العشب في شقوق الحجر دون أن يستأذن أحدًا.

والحبّ واحد من تلك الأشياء؛ شعور يضعه الله في القلب، ثم يترك للإنسان امتحانًا آخر: ماذا سيفعل بهذا الشعور؟

ولعلّنا ظلمنا الحبّ كثيرًا حين جعلناه تهمة ينبغي للمرء أن يدافع عن نفسه أمامها، أو سرًّا ينبغي أن يدفنه في أعمق مواضع الروح كي لا يراه أحد. كأنّ القلب إذا أحبّ ارتكب ذنبًا، وكأنّ الميل الإنساني عار ينبغي التبرؤ منه.

القلب لا يُدان لأنه شعر

لكنّ القلب لا يُدان لأنّه شعر؛ بل يُمتحن بما يفعله بعد الشعور. فالإنسان لا يملك دائمًا أن يأمر قلبه بمن يحب، لكنه يملك أن يأمر جوارحه إلى أين تمضي، وكلماته ماذا تقول، وخطواته أيّ طريق تسلك.

وهنا تكمن عظمة الإنسان: في المسافة الفاصلة بين ما يشعر به وما يختاره.

أن تحبّ ليس إعلانًا عن سقوطك، كما أنّ امتلاكك لشعور عميق لا يمنحك صكًّا لتجاوز الحدود. فليس كل ما نشعر به ينبغي أن نفعله، وليس كل ما يشتعل في الداخل ينبغي أن نسمح له بأن يحرق الخارج.

قد يحبّ الإنسان حبًّا صادقًا، ثم يحفظ لهذا الحبّ حرمته.

قد يشتاق، ولا يمدّ يده إلى ما لا يحقّ له.

قد يتعلّق، ثم يتعلّم أن يترك لله ما لا يستطيع الوصول إليه.

وقد يحمل في قلبه إنسانًا كاملًا من الحنين، بينما يحمل في يده كتابًا من التقوى لا يسمح له بأن يكتب سطرًا واحدًا في المكان الخطأ.

طهارة الشعور لا تبرر كل تصرّف

ذلك هو النضج الذي لا نتحدث عنه كثيرًا.

أن تعرف أنّ طهارة الشعور لا تعني بالضرورة صحة كل تصرّف يصدر عنه.

فالحبّ ليس رخصة للعبور فوق المبادئ، ولا ستارًا نعلّق عليه نزواتنا، ولا اسمًا جميلًا نمنحه لكل علاقة تؤذينا أو تؤذي غيرنا. قد يكون الشعور صادقًا، ويكون الطريق إليه خاطئًا؛ وقد يكون القلب بريئًا، بينما تكون اليد هي التي أساءت.

ولهذا، لا ينبغي للإنسان أن يخجل من قلبه حين يحب، بل عليه أن يخاف على هذا الحبّ من أن يبتذله.

فبعض المشاعر تشبه الماء؛ إن وضعتها في إناء نظيف بقيت صافية، وإن ألقيتها في موضع ملوّث حملت عكر المكان.

الحبّ بين الرحمة والامتلاك

والحبّ كذلك؛ يمكن أن يكون رحمة، ويمكن أن يتحول إلى امتلاك.

يمكن أن يكون وفاء، ويمكن أن ينقلب إلى تعلّق يستنزف الروح.

يمكن أن يكون بابًا إلى السكينة، ويمكن أن يصبح ذريعة إلى ما لا يرضي الله.

والفارق ليس في كلمة «الحبّ»، وإنما في الإنسان الذي يحملها.

لذلك، لا تعتذر لأنك أحببت، ولا تخجل لأن قلبك لان، ولا تنظر إلى مشاعرك وكأنها عار تسلّل إليك.

لكن لا تقدّس الشعور إلى الحدّ الذي يجعلك عبدًا له.

قل لقلبك:

أحبّ، فهذا بعض ما أودع الله فيك، لكن لا تجعل حبّك عصيانًا لمن أودعه فيك.

أحبّ، ولكن لا تظلم، واشتقْ، ولكن لا تنتهك.

اقترب، ولكن من الأبواب التي لا تخجل منها حين تقف بين يدي الله.

وإن لم يكن الاقتراب ممكنًا، فتعلّم كيف تحمل حبّك بكرامة، لا كيف تحوّله إلى خراب.

فليس كل حبّ يجب أن ينتهي بامتلاك، وليس كل شعور يجب أن يصبح حكاية. بعض الأحاسيس خُلقت لتعلّمنا شيئًا عن أنفسنا، وبعضها يأتي ليكشف لنا مقدار ما في أرواحنا من قدرة على العطاء، وبعضها يمرّ بنا ثم يمضي، تاركًا وراءه قلبًا أكثر فهمًا وأقلّ سذاجة.

حين أحببت.. أيّ إنسان صرت؟

الآن، لو سألك صديق: هل أحببت بصدق؟

فاعلم أنّه سؤال قد لا يملك القلب جوابه.

السؤال الأجمل والأثقل، في رأيي، هو:

حين أحببت… أيُّ إنسان صرت؟

فالحبّ لا يرفع الإنسان لأنه أحبّ، ولا يضعه لأنه أحبّ؛ وإنما يرفعه أو يضعه ما فعله بهذا الحبّ وكيف حمله.

وحين يكون في القلب شعور جميل، فلا تقتله خوفًا من الناس، ولا تتركه يعميك عن الله.

هذّبه، وصُنْه، وضع له حدوده، وأعطه كرامته، واترك له طريقًا لا تخجل من السير فيه.

فما أجمل أن يحبّ الإنسان بقلب حيّ،

وأن يمشي في الدنيا بقلب يعرف كيف يحبّ…

دون أن يفقد الله وهو يبحث عن إنسان.

اترك تعليقا

↑