للمرة الأولى، المال ليس هو القضية!
لم يحدث اتّفاقٌ دوليٌّ في التاريخ المعاصر مثل هذا الإجماع الذي أبدته اتحادات كرة القدم في مختلف دول العالم؛ رفضٌ قاطع ومُطلق لخطة الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) بشأن بيع جزء من حقوقه التجارية في البطولات، وفي مقدمتها كأس العالم، لمستثمرين من القطاع الخاص عبر شركة “فيفا فورورد إنتربرايز” المزمع تأسيسها بقيمة 20 مليار دولار. ولكن، وعلى غير العادة في عالمٍ محكومٍ بقوانين السوق وشراهة التراكم، لم يكن المال هو القضية!
هذا الاستثناء النادر هو ما يمنح اللحظة حمولتها الفلسفية والتاريخية الفارقة. لقد اعتادت البشرية، منذ صعود العصر الرأسمالي المعولم وتكريس “التسليع الشامل”، أن ترى القيم والمعايير، والكرامات الشخصية والوطنية، تتساقط الواحدة تلو الأخرى أمام بهرجة المال وسطوته. غير أن جميع الرافضين لخطة الفيفا يقفون اليوم ليقولوا بصوت واحد: هناك ما هو أهم من المال. يا للروعة! أخيراً نكتشف، أو بالأحرى نستعيد، ما هو أعلى قيمة من الأرقام، وذلك، لعمري، هو جوهر القيمة الإنسانية التي ظننا أنها اندثرت تحت عجلة السلعة.
في قراءة فلسفية للموقف، نحن لسنا أمام خلافٍ ماليٍّ تقليديّ حول “نسبة الأرباح” أو “حجم الحصص”، بل أمام صدام مفاهيميٍّ وجوديٍّ يتعلق بالفرق التاريخي بين “القيمة” و”الثمن”.
لقد أطلق الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت مقولته الشهيرة: “كل ما له ثمن يمكن استبداله بشيء آخر كمعادلٍ له، أما ما هو فوق كل ثمن، ولا يسمح بوجود معادل له، فهو ما يمتلك كرامة وقيمة ذاتية”. ومن هذا المنطلق الفلسفي، حاول الفيفا، بسلوكه التكنوقراطي البارد، أن يضع “ثمناً” لما يمتلك بالأساس “كرامة وقيمة”، متناسياً أن الموروث الثقافي والوجداني للبشرية يُفقد معناه تماماً في اللحظة التي يُعرَض فيها في سوق المزايدات.
تتجلى هذه الحقيقة في بيان الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (اليويفا) الذي جاء بمثابة مانيفستو دفاعي عن الرمزية الإنسانية: “لا يمكن التعامل مع كأس العالم كمنتج استثماري. فهي واحدة من أعظم الموروثات الرياضية لكرة القدم. وقد بني على مدار أجيال على يد اللاعبين والمنتخبات والمشجعين في جميع القارات. ولا ينبغي التنازل عن أي جزء من ذلك أبدا للمستثمرين من القطاع الخاص. كأس العالم ليست للبيع”. إن جملة “ليست للبيع” هنا تتجاوز البعد الرياضي لتتحول إلى صرخة فلسفية بوجه “النيوليبرالية” التي حاولت تحويل كل أشكال الشغف البشري إلى مجرد أصول مالية قابلة للتداول والخصخصة.
وتكتسب هذه اللحظة أبعادها السياسية الأكثر خطورة حين نتأمل تشابك السلطة بالمال في هذه الصفقة؛ حيث أعلن الفيفا أن صندوق (ثرايف إيترنال)، الذي تديره شركة (ثرايف كابيتال) التي أسسها جوشوا كوشنر، هو من يقود مجموعة المستثمرين. وجوشوا هو شقيق جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. هنا يتجسد التحالف الهجين بين رأس المال الأوليغارشي والنفوذ السياسي الساعي لامتلاك الفضاء العام. ومن هنا جاء الموقف السياسي الحاسم لوزيرة الثقافة البريطانية، ليزا ناندي، التي وصفت خطوة (اليوفا) بأنها “قرار مبدئي ندعمه بقوة”، مضيفة: “كرة القدم ملك للجماهير، لا للمستثمرين المليارديرات. لقد طفح الكيل. حان الوقت لاتخاذ موقف لحماية رياضتنا”.
إن هذا الموقف يعيد إلى الأذهان أفكار الفيلسوف يورغن هابرماس حول ضرورة حماية “الفضاء العام” و”عالم الحياة اليومي” من تسلط منطق السوق والبيروقراطية، إذ إن كرة القدم هي أحد آخر الفضاءات الاجتماعية العامة التي تحافظ على تماسك المجتمعات الإنسانية.
تعود الجذور التاريخية لهذا الصراع إلى التحول في مفهوم اللعبة نفسها؛ من طقس جمعي إنساني قائم على الانتماء والمشاركة، إلى صناعة استهلاكية تقودها التكنوقراطية. هذا الاغتراب عن المعنى الأساسي للرياضة هو ما فككه ببراعة ألكسندر فيهريل، الرئيس التنفيذي لنادي شتوتجارت الألماني ورئيس مجلس الإشراف في الاتحاد الألماني لكرة القدم، حين اتهم جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، بالافتقار إلى الحساسية، متسائلاً: “هل سبق لجياني إنفانتينو أن لعب كرة القدم بشكل احترافي؟ أعتقد أنه لعب في الدرجة الخامسة في سويسرا. وهل سبق له أن وقف بين المشجعين؟ هل يعرف حقاً معنى كرة القدم؟ كرة القدم كلعبة، هذا العنصر الجامع؟”.
واختتم فيهريل تصريحاً يحمل تحذيراً تاريخياً: “أشعر بقلق بالغ من أن يدمر رجل واحد كرة القدم العالمية”. هذا السؤال الفلسفي حول “معنى اللعبة كعنصر جامع” يضع اليد على الجرح؛ إنه تشخيص للانفصال الإدراكي والجمالي بين إدارة تفكر بمنطق الشاشات والأرقام، وجماهير تعيش اللعبة كطقس وجودي يمنح الحياة معنى وشغفاً.
ولم يكن موقف الإسباني تشابي ألونسو مدرب نادي تشلسي إلا تأكيداً على البُعد الأخلاقي والإنساني للعبة؛ إذ قال للصحفيين: “هذه هي طبيعة حبنا لكرة القدم، وقد شاهدنا للتو كأس عالم رائعة. إذا بقيت الأمور على هذا النحو، فهذا جيد. علينا الدفاع عن مصالح جميع الناس”. وأضاف: “أعتقد أن هذا شعور مشترك بين العاملين في مجال كرة القدم. نريد الحفاظ على كرة القدم من أجل الجماهير، ومن أجل الجميع، وليس من أجل مصالح أخرى. لذا نأمل ألا يحدث هذا”.
ينطلق ألونسو هنا من الواجب الأخلاقي لحماية “الحق العام في البهجة”؛ إذ إن تسليم اللعبة للمصالح الخاصة يعني تحويل المشجع من “شريك في صنع الرمز” إلى مجرد “مستهلك للخدمة”.
وتكتمل تاريخية هذه اللحظة بالبيان التحذيري للاتحاد الآسيوي لكرة القدم الذي أكد فيه أن: “وصول الوضع إلى مرحلة أصبح فيها احتمال مقاطعة كأس العالم مطروحاً للنقاش العام، يجب أن يثير قلق كل من يحرص على مستقبل اللعبة… لم يكن ينبغي لكرة القدم أن تصل إلى مثل هذا الوضع”.
إن التلويح بسلاح “المقاطعة” – وهو الفعل المدني والسياسي الأكثر راديكالية – يوضح أن الشعوب والاتحادات أدركت أن المعركة لم تعد على قواعد اللعبة، بل على “روحها”.
إنها المرة الأولى في التاريخ الحديث التي يقف فيها العالم، بمختلف قاراته وأطيافه الثقافية والسياسية، حائط صد أمام تجرف رأس المال. لقد أثبت هذا الإجماع الاستثنائي أن الروح الإنسانية، عندما تتعرض قيمها الجوهرية وموروثاتها الجمعية لخطر المحو والتسليع، تستطيع أن تتجاوز حسابات الربح والخسارة لتصرخ بملء الفم: قد تملكون المال وتستطيعون شراء كل شيء، لكن كرة القدم ليست للبيع.. والمال، للمرة الأولى، ليس هو القضية.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇