العرب في بريطانيا | الصحافة الشعبية البريطانية لا تبيع أخبارًا

الصحافة الشعبية البريطانية لا تبيع أخبارًا

الصحافة الشعبية البريطانية لا تبيع أخبارًا
كرم نعمة سبتمبر 14, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

هذه صفحة أولى تُعامل كأنها مشهد من مسرح الثقافة الشعبية البريطانية، لا مجرد صحيفة. ولأن التابلويد يُكتب ليُقرأ بسرعة، ويُرى قبل أن يُقرأ، فإن أثره الحقيقي يقع على المارّ في الطريق قبل أن يصل إلى يد القارئ.

هنا، في عدد اليوم من صحيفة “ذا صن” البريطانية تتجاور الحرب والكرة والتلفزيون في مساحة واحدة، كأنها تقول إن العالم يمكن اختزاله في ثلاث قصص قصيرة، ثلاث انفعالات، وثلاث صور.

هذه الصفحة ليست أخباراً؛ إنها جهاز يومي لصناعة المزاج العام، ولتوليد شعور فوري لدى من يراها معلّقة أمام الأكشاك. لذلك، فإن تحليلها هو تحليل لخطاب ثقافي كامل، لا لعناوين منفردة.

الصحافة الشعبية البريطانية لا تبيع أخبارًا
غلاف صحيفة الصن بتاريخ 14 سبتمبر 2026.

العنوان الأول: BORIS FLEES VLAD DRONE BLITZ

السياسة كفيلم حركة رخيص بهروب بوريس جونسون من قصف بوتين لأوكرانيا. هذا العنوان مكتوب كما لو أنه ملصق لفيلم أكشن، اختزال بوتين إلى «VLAD» واستخدام كلمة «BLITZ»المحمّلة بذاكرة الحرب العالمية الثانية، يحوّل الحدث إلى مشهد قصف سينمائي، لا إلى واقعة سياسية معقّدة في أوكرانيا.

ثم تحويل السياسة إلى قصة شخصية، فبوريس جونسون ليس رئيس وزراء سابقاً، بل «بطل»! يهرب من القصف. الحرب تُستخدم كخلفية درامية، لا كأزمة إنسانية أو جيوسياسية.

وهكذا يعاد تدوير بوريس في الخيال الشعبي رغم خروجه من السلطة، عبر وضعه في قلب الخطر.

من يمرّ أمام الكشك في أي مدينة بريطانية لا يرى إلا انفجاراً واسم «BORIS» على صدر الصفحة الأولى مع شعلة انفجار فستصله رسالة فورية: العالم خطِر، لكن الخطر يُروى عبر نجوم السياسة، لا عبر ضحايا الحرب. إنها إثارة سياسية، لا سياسة.

أما العنوان الثاني IT’S GONE TOO VAR NOW فيقدم كرة القدم كدراما أخلاقية شعبية.

العنوان يتلاعب بالعبارة الشهيرة “It’s gone too far now”، ويحوّلها إلى VAR لعبة لغوية سريعة تلتقط عين القارئ وتحوّل نقاشاً تقنياً إلى قضية شعورية «الأمور خرجت عن السيطرة”.

هكذا تُقدَّم التكنولوجيا كعدو للجماهير، وكأن الـVAR يفسد «روح اللعبة» وتُحوَّل مباراة الديربي ما بين الجارين اللدودين السيتي واليونايتد إلى قصة غضب شعبي، لا إلى تحليل رياضي. واستثمار إحساس عام بأن كل شيء في الحياة يُدار الآن بالتقنيات والأنظمة.

النتيجة (0–1) وصور اللاعبين إيرلينغ هالاند وبرونو فيرنانديز تكفي لإثارة إحساس بأن اللعبة لم تعد كما كانت. التابلويد يلتقط هذا الشعور ويحوّله إلى غضب مبسّط، هكذا يختصر المشكلة ليست في تعقيد اللعبة، بل في «VAR» الذي ذهب بعيداً.

أما العنوان الثالث: Strictly Emma: I’ll prove doubters wrong فيختصر التلفزيون كحكاية صعود فردي عندما يقدّم المذيعة التلفزيونية «إيما» كبطلة قصة كلاسيكية. هناك «مشككون»، وهي ستثبت أنهم مخطئون. إنها صيغة مألوفة في الثقافة الشعبية، شخص عادي يواجه الشك ويعد الجمهور بالانتصار.

التلفزيون هنا يُقدَّم كمساحة للدراما الشخصية، لا للفن أو الأداء عبر تعزيز ثقافة الفردانية العاطفية. كل شيء يُروى كقصة تحدٍّ ذاتي. ثم اختزال الفن إلى قصة نفسية بطريقة إثبات الذات، لا الإبداع. صورة إيما في رداء أحمر وعنوان يعد بالانتصار على «الشك» ويولّد تعاطفاً سريعاً. التلفزيون هنا ليس برنامجاً، بل قصة نجاح صغيرة تُباع يومياً.

ما الذي تقوله الصفحة الأولى في أكثر الجرائد شعبية في بريطانيا عن الثقافة الواطئة؟

هذه الصفحة توحّد البريطانيين في ثلاث قصص بسيطة: حرب تُروى كفيلم أكشن. كرة قدم تُقدَّم كقضية غضب شعبي. تلفزيون يُختزل في قصة تحدٍّ فردي.

إنها ثقافة تُبنى على الانفعال السريع، لا على الفهم العميق. القارئ أو المارّ أمام أكشاك بيع الصحف لا يتلقى معلومات، بل يتلقى مزاجاً، للإثارة والتخويف من الحرب. غضب جماهيري من التكنولوجيا، وتعاطف مع بطلة تلفزيونية.
بهذا المعنى، The Sun لا تبيع أخباراً، بل تبيع طريقة لرؤية العالم. عالم يمكن استهلاكه في لحظة مرور، عالم تُختزل فيه السياسة والرياضة والفن إلى عناوين تُقرأ قبل أن تُفهم، وتترك أثراً أطول من أي تحليل عميق.


 

اترك تعليقا