الحلفاء يغيّرون قواعد اللعبة بلغة لا تحب إسرائيل سماعها
لم يكن القرار البريطاني بفرض عقوبات على المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية مجرد خطوة قانونية أو إجراء تجاري محدود الأثر. كان إعلاناً سياسياً صريحاً بأن لندن، ومعها 11 دولة أخرى، قررت أخيراً أن تتحدث بلغة لا تحب إسرائيل سماعها، لغة المحاسبة.
للمرة الأولى منذ عقود، تصدر بريطانيا—الحليف التاريخي، والراعي القديم للمشروع الصهيوني، والبلد الذي لطالما تجنّب أي خطوة تُغضب تل أبيب—إدانة بهذا الوضوح. قال وزير الخارجية إيد ميليباند أمام مجلس العموم إن الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية “غير قانوني بالكامل”، وإن ما يجري هو “تطهير عرقي يرتكبه إرهابيو المستوطنين”. هذه ليست لغة دبلوماسية؛ هذه لغة كسر الصمت.
ميليباند لم يكتفِ بالإدانة، بل قال إنه يشعر بـ“عار عميق مما حدث في فلسطين أمام أعين المجتمع الدولي”، وإن السنوات الثلاث الماضية حملت “صدمات ومعاناة لا يمكن تصورها—الموت والدمار والتجريد من الإنسانية على نطاق مروّع”. هذا التصريح وحده يكفي ليُفهم أن بريطانيا لم تعد مستعدة للوقوف في الصف القديم الذي يبرر كل شيء لإسرائيل.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ما قيمة هذا القرار في زمن تتصرف فيه إسرائيل بغطرسة لا تبالي بمحكمة العدل الدولية ولا بقرارات الأمم المتحدة؟
العقوبات البريطانية ليست مجرد حظر على استيراد بضائع المستوطنات، ولا مجرد منع للإعلانات العقارية أو تجميد تراخيص الأسلحة. القوة الحقيقية تكمن في أن هذه العقوبات جاءت من حلفاء تاريخيين لإسرائيل، لا من خصومها التقليديين.
حين تعلن بريطانيا، وفرنسا، وكندا، وإيرلندا، والدنمارك، والنرويج، وفنلندا، وإسبانيا، والسويد، والبرتغال، وبولندا، وأيسلندا—اثنتا عشرة دولة دفعة واحدة—أنها ستفرض قيوداً على التجارة مع المستوطنات، فإن الرسالة ليست اقتصادية، بل سياسية ” لقد تغيّر المزاج الدولي”.
هذه الدول ليست هامشية في النظام العالمي، بل هي قلبه السياسي والاقتصادي. وهي ليست دولاً اعتادت معاقبة إسرائيل، بل دولٌ كانت تُحمى إسرائيل داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن بفضل علاقاتها معها.
لذلك، فإن قوة القرار لا تُقاس بحجم العقوبات، بل بحجم التحوّل في الإرادة السياسية.
إسرائيل اليوم تتصرف كما لو أنها فوق القانون الدولي. تتجاهل محكمة العدل الدولية، وتهاجم الأمم المتحدة، وتصف أي انتقاد بأنه “معاداة للسامية”، وتواصل حرب الإبادة في غزة، وتسمح للمستوطنين بممارسة العنف في الضفة الغربية دون محاسبة.
لكن ما لا تستطيع تجاهله هو تغيّر موقف الحلفاء.
ردّ وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر كان صاخباً، لكنه كان أيضاً كاشفاً لعمق الأزمة: إغلاق القنصلية البريطانية في القدس “التي هي أقدم من دولة إسرائيل نفسها!”، منع مسؤولين بريطانيين من دخول إسرائيل، طرد ممثلي بريطانيا من مركز المساعدات لغزة، وإنهاء برامج تدريب قوات السلطة الفلسطينية.
هذه ليست إجراءات دولة واثقة، بل دولة مرتبكة، تخشى أن يكون ما بدأته بريطانيا هو بداية انهيار جدار الحماية الدولي الذي تمتعت به إسرائيل لعقود.
ولم يكن مستغرباً أن يصف عضو الكنيست جلعاد كاريف هذه الردود بأنها “طفولية وشعبوية”، وأن يتهم ساعر بالخضوع الكامل لأجندة سموتريتش المتطرفة. فحتى داخل إسرائيل، هناك من يدرك أن مواجهة بريطانيا بهذه الطريقة ليست قوة، بل فقدان بوصلة سياسية.
لكن لماذا مهم هذا القرار الآن؟ لأن الضفة الغربية تعيش أسوأ لحظاتها منذ عقود: 750ألف مستوطن، 194 مستوطنة، 400 بؤرة، اعتداءات يومية، واقتحامات متواصلة، وحرب إبادة في غزة تُستخدم كغطاء لتسريع التوسع الاستيطاني.
ولأن إسرائيل اعتقدت أن العالم مشغول بما يكفي كي لا يلتفت إلى الضفة. لكن قرار بريطانيا و11 دولة أخرى يقول شيئاً مختلفاً: العالم بدأ يرى الضفة الغربية من جديد.
ولأن هذا القرار يفتح الباب أمام خطوات أكبر: تقييد التجارة، فرض رسوم جمركية، حظر كامل على منتجات المستوطنات، وربما—وهذا هو الأهم—إعادة تعريف العلاقة السياسية مع إسرائيل بوصفها دولة تمارس نظام فصل عنصري.
فهل ستكفي العقوبات؟ الإجابة حتما ستكون لا. لكنها تكسر حاجزاً كان يبدو غير قابل للكسر، حاجز الصمت الغربي.
القوة ليست في العقوبات نفسها، بل في السابقة السياسية التي تخلقها. فحين يبدأ الحلفاء التاريخيون في معاقبة المستوطنات، يصبح من الممكن أن تتغير قواعد اللعبة داخل المؤسسات الدولية، وأن تتغير لغة الخطاب السياسي في أوروبا وأميركا الشمالية.
ولأن إسرائيل، مهما بدت غطرستها، لا تستطيع أن تخسر حلفاءها جميعاً. ولا تستطيع أن تواجه عزلة دولية في وقت تخوض فيه حرباً مفتوحة في غزة، وأزمة سياسية داخلية، وانقساماً مجتمعياً غير مسبوق.
صحيح أن القرار ليس نهاية الطريق، لكنه بداية مرحلة جديدة، فالعقوبات البريطانية ليست مجرد إجراء إداري، بل إعلان سياسي بأن زمن الحماية المطلقة لإسرائيل بدأ يتصدع. وأن المستوطنات لم تعد “تفصيلاً” في الصراع، بل أصبحت مركز المحاسبة الدولية.
في عالمٍ تتصرف فيه إسرائيل كما لو أنها فوق القانون، تأتي هذه العقوبات لتقول شيئاً بسيطاً لكنه بالغ الأثر، حتى الحلفاء لديهم حدود.
وما بدأته بريطانيا اليوم قد يكون الشرارة التي تغيّر شكل العلاقة بين إسرائيل والعالم الغربي، وتعيد تعريف معنى المسؤولية السياسية في زمنٍ لم يعد فيه الصمت خياراً.
الرابط المختصر هنا ⬇


