ثنائية الفشل: كيف تبادل المحافظون والعمال تركة الخراب؟
ثنائية الفشل: كيف تبادل المحافظون والعمال تركة الخراب؟
حين قدمتُ إلى لندن أول مرة، كانت البلاد تقف على أعتاب تحول تاريخي، مشدودةً بنشوة طافحة لدى الشارع البريطاني، وهو يتهيأ لإسدال الستار على نحو عقدين من حكم حزب المحافظين، امتدا من صرامة مارغريت ثاتشر إلى ارتباك جون ميجر.
أذكر أنني سألت أستاذي الجامعي وقتها، وهو صحافي عتيق يتقن فك شفرات ما يدور خلف الكواليس المعتمة لـ«10 داونينغ ستريت»، عن سر هذه الغبطة الشعبية الجارفة، فأجابني بنبرة حاسمة لا شائبة فيها: «إنها فرحة الانعتاق؛ فحكم المحافظين دمّر البلاد!».
لم أكن حينها جازمًا بقيمة هذا التقييم الصارم، وهو يصدر عن أستاذ يدرّس مادة التحرير الصحافي. غير أنني أستعيد هذه اللحظة اليوم بكامل حمولتها الشجية، وأنا أتابع السجال الناري المحتدم في وسائل الإعلام البريطانية، متوقفًا عند تصريحات رئيس الوزراء آندي بيرنهام التي أعاد فيها جانبًا كبيرًا من التراجع الاقتصادي الذي تكابده بريطانيا اليوم إلى السياسات التي دشنتها حكومات ثاتشر.
لكن المفارقة القاسية، التي اختبرتها بنفسي وقد عايشت الحقبة المديدة لحزب العمال، من السنوات الذهبية المهرّجة لتوني بلير وما تلاها، هي أن ما قاله أستاذي عن المحافظين عشته بالحرف والوجع ذاته مع حزب العمال.
بدأت الحكاية بانهيار الأخلاق السياسية وأكاذيب غزو العراق، ولم تنته عند التفريط بالبنية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد. لقد تبادل الحزبان الكبيران، بالتعاقب والأناقة ذاتها، خنق المبادرة البريطانية وإرهاق إنسان هذه الجزيرة.
إرث المحافظين: السوق قبل المجتمع
تتجلى الجريمة الهيكلية لعهود المحافظين المتعاقبة في تقديم مفهوم «السوق الحرة المتوحشة» على حساب المجتمع.
ولم تكن الخصخصة الشاملة التي بدأتها ثاتشر في الثمانينيات، وتواصلت في عهد جون ميجر، مجرد إعادة هيكلة اقتصادية، بل كانت عملية تجريد مبرمجة للمواطن من شبكات أمانه التاريخية. أُهملت البنية التحتية، وبيعت مرافق المياه والطاقة والاتصالات وأجزاء من منظومة النقل إلى القطاع الخاص، ونُزعت القوة التشغيلية من يد الطبقة العاملة.
وكانت النتيجة خلق اقتصاد يعتمد على الفورة المالية لحي السيولة في «سيتي أوف لندن»، بينما تُركت بقية أطراف البلاد تغرق في الركود والتهميش.
ولهذا، عندما يُشار بأصابع الاتهام اليوم إلى ثاتشر، فإن الإشارة تتجه نحو مبدأ أرسى كلفة الحياة على عاطفة المضاربة والربح السريع.
العمال الجديد: تجميل النموذج لا تغييره
في المقابل، لم يطرح حزب العمال، برئاسة بلير ومشروع «العمال الجديد»، بديلًا بنيويًا، بل اكتفى بـ«تجميل» النموذج الثاتشري ذاته وزخرفته.
صبّ بلير ووزراؤه الزيت على نهارات المديونية العامة، وتوسعوا في الشراكات مع القطاع الخاص (PFI)، التي أطلقتها حكومة جون ميجر، على نحو أرهق المؤسسات الخدمية، وفي مقدمتها هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS)، بالتزامات مالية آجلة هائلة، لا تزال تُسدّد حتى اللحظة من جيوب دافعي الضرائب.
ثم جاء الانزلاق الأخلاقي والسياسي في مغامرة العراق، ليبدد ليس فقط هيبة المملكة على المسرح الدولي، بل مليارات كان يمكن أن تُرمم بها المدارس والقطارات والمستشفيات المتهالكة.
خسر العمال بوصلتهم الأخلاقية، وحوّلوا الطبقة المتوسطة إلى وقود لدعم حروب خارج الحدود وشعارات خاوية في الداخل.
توافق غير معلن على نموذج واحد
هنا تتضح ملامح ما يمكن وصفه بـ«التوافق غير المعلن على نموذج واحد» بين الحزبين؛ نموذج يقدّم الاستقرار المالي في «السيتي» على الاستقرار الاجتماعي في المدن والأقاليم.
فالمحافظون ثبّتوا عقيدة السوق المتوحشة، والعمال قبلوا بها شرط أن تُطلى بطلاء اجتماعي خفيف، من دون المساس بجوهرها. وبهذا المعنى، لم يكن الخلاف بينهما حول اتجاه الاقتصاد، بل حول درجة التجميل الخطابي الذي يُقدَّم به إلى الناخبين.
ومن منظور اقتصادي بحت، تبدو بريطانيا اليوم كمن عاش عقودًا في ظل سياسة «تأجيل الإصلاح الحقيقي»؛ إذ جرى ترحيل كلفة القرارات الكبرى إلى المستقبل عبر الديون، وعقود الشراكة مع القطاع الخاص، والتقشف، وبريكست، من دون أن تُمس البنية التي تنتج عدم المساواة.
وهذا ما يفسر كيف يمكن لبلد يملك واحدًا من أكثر المراكز المالية نفوذًا في العالم أن يعجز عن تأمين فرص عمل لحشود خريجي الجامعات، أو مستشفى لا ينتظر فيه المرضى ساعات على نقالات في الممرات.
المواطن يدفع فاتورة التناوب
بين إرث ثاتشر في الخصخصة المفرطة، وإرث بلير في الإنفاق المموّل بالديون والحروب العبثية، وصولًا إلى سياسات التقشف وعبثية بريكست التي انتهجها المحافظون لاحقًا، يجد المواطن البريطاني نفسه اليوم في أقصى درجات الإجهاد النفسي والمالي.
لم يعد المواطن في لندن أو مانشستر أو غلاسكو يفكر في أدبيات الرفاه الاجتماعي أو الحلم البريطاني، بل غدا استهلاكه اليومي مشدودًا برعب دائم:
- تضخم فواتير الطاقة: نتيجة الارتهان لأسواق خصخصة لا ترحم.
- ارتفاع أسعار السكن والإيجارات: بفضل تشجيع المضاربات العقارية التي بدأت في الثمانينيات ولم يُوضع لها حد.
- تآكل الأجور الحقيقية: أمام موجات غلاء تجعل من التفكير في إعداد وجبة دافئة أو تسديد ضريبة المجلس المحلي حيرة يومية.
إدارة الخراب بدلًا من بناء الدولة
ليس الخراب الذي تشهده بريطانيا وليد اللحظة، ولا يمكن إلقاؤه ببساطة على شماعة الأزمات العالمية الأخيرة. إنه حصاد عقود من «التداول الطبقي» للسيطرة؛ صراع تبادل فيه المحافظون والعمال الأدوار في غرفة إدارة الأزمة، من دون أن يجرؤ أحدهما على مس جذر المشكلة.
لقد تحولت السياسة في داونينغ ستريت من مشروع لبناء دولة إلى لعبة لتدوير الأزمات وإعادة إنتاج الخيبة، ليظل المواطن وحده واقفًا في طابور انتظار الحافلة، متسائلًا: أيّ هذين الحزبين كان أكثر براعة في إتقان هذا الدمار؟
الرابط المختصر هنا ⬇


