العرب في بريطانيا | فيرجينيا وولف ما زالت تمشي على ضفاف التايمز

فيرجينيا وولف ما زالت تمشي على ضفاف التايمز

فيرجينيا وولف
كرم نعمة يوليو 23, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

لا يزيد رسم محرك البحث غوغل صورة السيدة دالاوي، في صدر صفحته الأولى، من حرارة الاحتفال بعيد ميلاد فيرجينيا وولف سنوياً، مع أن فاجعة انتحارها غرقاً وهي لم تصل الستين بقيت ذكرى لا تغادر شواطئ نهر التايمز في لندن. هناك احتفال تاريخي دائم بما تركت هذه السيدة في متون الكتب، لكن سخونة استذكارها مستمرة، حتّى بعد عقود على انتحارها. لماذا؟ لأنها أكثر من كاتبة. وقصتها تثير المزيد من التأمل بالنسبة للقارئ العربي، فيما تحول فيلم “الساعات” الذي جسد حياة السيدة دالاوي، إلى ما يشبه العلامة الفارقة الّتي ُتعرَف بها الممثلة نيكول كيدمان، برغم كل الانتقادات التي وجّهت إلى الفيلم.

لأنني أحببت وولف عندما قرأت للمرة الأولى السيدة دالاوي في بغداد، بترجمة عطا عبد الوهاب الصادرة عن دار المأمون للترجمة في ثمانينات القرن الماضي، لم تغادر ذاكرتي فيرجينيا وولف، وشاء القدر أن أسكن قريباً من بيتها العتيق منذ عقدين. بيد أني عندما عرفت فيرجينيا الصحافية أكثر، ازداد حبي لها.

مثل الآلاف من سكان ريتشموند، مررت في عيد ميلاد هذه السيدة، المولودة قبل 143 عاماً، والمنتحرة قبل 84 عاماً، أمام تمثالها في الضاحية، من دون أن أحظى بشيء مختلف، فليس أكثر من صور السلفي التي يلتقطها المارة. لكن الوقوف أمام تمثالها يمنح شعوراً غريباً: كأنها ما زالت هنا، تراقب النهر الذي ابتلعها، وتبتسم لذلك القدر الذي جعلها أكثر حضوراً بعد موتها مما كانت عليه في حياتها.

ثمة ما هو أكثر مما قدمته السيدة دالاوي. ففيرجينيا وولف أكثر بكثير من روائية. وبعد شهرتها ككاتبة لمراجعات الكتب في ملحق جريدة التايمز، ألفت كتابها “القارئ العادي” وصارت تقرأ بانتظام يذكرنا بغوته. والملاحظات التي خلفتها حول قراءتها تملأ لوحدها نحو ثلاثين مجلداً. كانت هذه المرأة صحافية بامتياز، ونشرت شهادات مؤثرة لمعاناة النساء من الفقر آنذاك رغم العمل الشاق، وتحدثت في مقالاتها الصحفية أيضاً عن حق البريطانيات في التصويت الانتخابي، وكتبت: “في هذا الجمهور الواسع، من بين هؤلاء النساء اللواتي يعملن واللواتي لديهن أطفال، اللواتي ينظفن ويطبخن ويساومن على كل شيء ويعرفن كيف يصرف كل قرش، لم يكن لأي واحدة منهن الحق في التصويت”.

عندما كانت البريطانيات يخرجن في احتجاجات للمطالبة بحقهن الانتخابي، سأل أحد مساعدي ونستون تشرشل عن الإجراء المناسب لمواجهة هذه الاحتجاجات، فرد تشرشل بغطرسته المعهودة وعنصريته ضد النساء بأنه سيخرج غداً مع حفنة من الرجال في تظاهرة أمام أكبر مستشفى في لندن للمطالبة بحق الرجال في الحمل والولادة!

“منحت بريطانيا المرأة الحق في التصويت الانتخابي عام 1928”.

ليس معروفاً إن كان تشرشل يقرأ مقالات وولف أو يتعاطف معها أصلاً، لكننا نتحدث هنا عن روائية وصحافية، وهي ميزة مثالية تعرّفنا أكثر على هذه السيدة التي كابدت الأحزان، وكانت تواجهها بالكتابة.

وبالعودة إلى سيرتها الذاتية، نشعر بالألم بسبب الفجائع التي أظلمت شبابها، وتذللت عندما غطت وجهها بطبقة من دخان الكلمات الحارق. لذلك نعجب بعملها في مواجهة مرضها العقلي، ونحسدها على دخولها عالم الأدب، مثلما نحزن على انتحارها المبكر.

لكن ما يثير الدهشة حقاً هو أن فيرجينيا وولف لم تكتب عن الحياة كما هي، بل كما تُحسّ وتُرى وتُسمع وتُشمّ. كانت تكتب عن الزمن وهو يتفتت، عن الوعي وهو يتشظى، عن اللحظة وهي تتسع حتى تصبح حياة كاملة. لذلك بقيت كتبها حيّة، لأنها لا تقدّم قصة، بل تقدّم طريقة جديدة لرؤية العالم. وهذا ما يجعلها اليوم أكثر معاصرة من كثير من كتّاب هذا العصر.

كلما عدت لكتب فيرجينيا وولف أفكر برغبتنا كقراء في وضع أبطالنا الأدبيين على المنصات العالية، لأن كتبهم أثرت فينا. مع ذلك يبدو أننا لا نعرف كيف نتعامل مع حياة وأعمال الكتّاب والصحافيين الذين هم في الوقت نفسه مُلهمون. فحتى العباقرة منهم يجدون صعوبة في السباحة ضد تيار عصرهم. وفي حين أن إلهامهم قد “يأتي دون مس عقلي”، فإن واقعهم سرعان ما يعاني من الخذلان والخيبة.

ومع ذلك، لا تزال كتابات فيرجينيا وولف حية بالنسبة لنا، وتحرّض على المزيد من الاكتشاف، بأن الحياة عبارة عن مستنقع فوضوي ومربك من العاطفة والعقل اللذين يدوران معاً ويتباعدان، مما يُعمينا، أو يعيقنا، أو يدفعنا إلى الأمام نحو أخطائنا الفادحة وانتصاراتنا.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 26 يوليو 2026
ليلة قسنطينية ساحرة في قلب العاصمة البريطانية.. 🇩🇿 أجواء أندلسية وألحان المالوف القسنطيني أحيتها الفنانة دنيا الجزائرية في احتفالية مميزة بتنظيم مؤسسة "صوت المرأة الجزائرية في المملكة المتحدة"، وبحضور لافت للجزائريين في لندن. #شاهد أبرز محطات هذه الأمسية ⬇️ #العرب_في_بريطانيا…
𝕏 @alarabinuk · 26 يوليو 2026
“ليس هذا هو الوضع الطبيعي!” حذّرت الصحفية البريطانية من أصول باكستانية آني سايز من تنامي المحتوى المعادي للمسلمين على منصات التواصل، وذلك عقب تداول مقطع فيديو يُظهر اعتداءً أمام مسجد المدينة في العاصمة الأيرلندية دبلن، حيث أفادت منشورات متداولة بأن…
𝕏 @alarabinuk · 26 يوليو 2026
"قنبلة ضريبية تُهدد الأسر البريطانية.." هجوم حزب المحافظين على آندي بيرنهام وتداعيات حرائق أوروبا تتصدر عناوين الصحف البريطانية اليوم. للاطلاع على أبرز ما تناولته الصحف: https://alarabinuk.com/?p=237779 #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 26 يوليو 2026
إعفاء عاملي الرعاية من الأثر الرجعي بشأن تشديدات الإقامة الدائمة.. وصول 165 مهاجرًا بالقوارب.. وملف السوريين وخطط الحكومة لمواجهة غلاء المعيشة.. كيف سيتعامل رئيس الوزراء الجديد مع هذه الملفات الشائكة؟ في حلقة جديدة من برنامج #بريطانيا_في_أسبوع، يناقش حاتم الملاح، ونبيل…
عرض المزيد على X ←