العرب في بريطانيا | القراءة أرقى أشكال العصيان

القراءة أرقى أشكال العصيان

WhatsApp Image 2026-08-10 at 8.33.13 AM
كرم نعمة أغسطس 10, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

 لا أريد أن أعد الكتب التي قرأتها خلال عام كامل، حتى لو كان ذلك إنجازًا لم يكن متاحًا لي قبل سنوات، لكن هذا الإنجاز لا يمكن أن يبدد الشعور التاريخي المستمر بـ”المذلة” عندما أسمع بكتاب عظيم آخر لم اقرأه بعد! فمهما قرأ الإنسان يبقى يشعر بأنه لم يقرأ ما يكفي لجعلة مطمئنًا على طريقة تفكيره.

ففي زمنٍ يتفتّت فيه الانتباه كما لو أن الوعي نفسه أصبح شاشة مكسورة، تعود القراءة كفعل مقاومة لا كعادة ثقافية. لم يعد القارئ المعاصر قارئًا بالمعنى التقليدي، بل ناجيًا من طوفان الشاشات، يلتقط أنفاسه بين موجة وأخرى، ويصرّ على أن للإنسان حقًّا في أن يبطئ الزمن ولو لصفحة واحدة. القراءة اليوم بغض النظر عن نوعها وطبيعتها رقمية كانت أم ورقية، ليست هواية، بل احتجاج على عالم يريد أن يحوّل كل شيء إلى سرعة، وكل معنى إلى موجز، وكل فكرة إلى “ريل” من عشر ثوانٍ على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب.

يشبه القارئ الآن من يشعل شمعة في غرفة مضاءة بالكهرباء، ضوءٌ صغير، لكنه يذكّر بأن الضوء الحقيقي ليس ما يسطع، بل ما يكشف. في الصحراء الرقمية التي نعيش فيها، يمشي القارئ كمن يبحث عن واحة ليست ماءً، بل معنى. ولأن هذا العطش للمعنى لم يعد خافياً، بدأت الثقافة الشعبية نفسها تعيد اكتشاف قيمة الذكاء وربما لهذا السبب تحديداً، كما تشير جيس كارتنر-مورلي في صحيفة الغارديان، أصبح الذكاء “الكول الجديد” في الثقافة الشعبية. ففي اللحظة التي تنحدر فيها السياسة إلى مستوى الثرثرة الشعبوية، وتتحول فيها الخطابات العامة إلى عروض بهلوانية، يعود الكتاب كعلامة على الجاذبية، وكأن العالم يكتشف فجأة أن العقل يمكن أن يكون مثيرًا.

تتحدث مورلي في مقالها الرائع عن نجمات بوب يقرأن كامو ودوراس وفرجينيا وولف، وعن عارضات أزياء يحملن كتب ديديون ومارغريت آتوود خلف الكواليس، وعن منصات رقمية تتحول إلى ملاذ لمن يريد أن يفكر خارج ضجيج الخوارزميات.

هذا ليس مجرد تحول في الموضة، بل علامة على جوعٍ عميق للمعنى. فجيل وُلد في قلب العاصفة الرقمية، وتربّى على الشاشات، بدأ يشعر بأن العالم الذي صُمّم له لا يكفيه. يريد شيئًا آخر: عمقًا، فكرة، جملة تُبطئ نبضه قليلًا.

لكن المفارقة هنا لافتة، القراءة تعود في اللحظة نفسها التي ينهار فيها الخطاب العام تحت ثقل التفاهة. كأن الكتاب أصبح اللغة السرية لمن يرفضون أن تتحول حياتهم إلى موجز رقمي بلا ذاكرة. وكأن القارئ، في هذا الزمن، يمارس نوعًا من العصيان الهادئ: يفتح كتابًا بينما العالم يفتح هاتفه، يقرأ بينما الآخرون يمرّرون الشاشات بإصبع واحد، يختار أن يغوص بينما الجميع يطفو على السطح.

هذا التحول لا يمكن قراءته بوصفه “موضة ثقافية” فقط، بل بوصفه رد فعل وجودي على عالم يزدري البطء، ويخاف من العمق، ويعامل التفكير كترف غير ضروري. القراءة هنا ليست بحثًا عن المعرفة، بل بحثًا عن الذات. ليست محاولة لفهم العالم، بل محاولة لفهم ما تبقى من الإنسان داخل هذا العالم. وربما لهذا السبب تحديدًا، كما تقول مورلي، أصبح حمل كتاب أكثر إثارة من حمل حقيبة باهضه الثمن أو ارتداء عقد ألماس، ليس لأن الكتاب أجمل، بل لأنه يعلن شيئًا، أن صاحبه ما زال يملك قدرة على التفكير، وأنه لم يستسلم بعد لسطوة الخوارزميات.

إن القارئ اليوم يشبه من يزرع شجرة في زمن يفضّل البلاستيك. يشبه من يصرّ على أن للمعنى وزنًا، وللكلمات حياة، وللوقت قيمة لا تُقاس بعدد الإشعارات وعدد المتابعين على أكس وفيسبوك.

القراءة ليست عودة إلى الماضي، بل محاولة لإنقاذ المستقبل من السطحية التي تبتلعه. هي فعل مقاومة ضد عالم يريد أن يجعل الإنسان مجرد مستهلك، لا كائنًا يفكر ويشك ويبحث.

ولعل أجمل ما في هذا التحول أنه يعيد الاعتبار لفكرة بسيطة، أن الإنسان لا يُعرّف بما يملك، بل بما يقرأ. وأن الكتاب، مهما بدا قديمًا، يظل قادرًا على أن يفتح نافذة في جدار العالم. وأن القارئ، مهما بدا وحيدًا، يظل آخر من يذكّرنا بأن العقل ليس رفاهية، بل ضرورة للبقاء.

في النهاية، ليست القراءة مجرد فعل ثقافي، بل فعل نجاة. نجاة من الضجيج، من التفاهة، من السرعة، من العالم الذي يريد أن يختصر الإنسان في شاشة. القراءة هي ذلك العصيان الهادئ الذي يمارسه القارئ ضد زمنٍ يكره الهدوء. وهي، في جوهرها، محاولة لاستعادة ما فقدناه: القدرة على أن نفكر ببطء، وأن نشعر بعمق، وأن نرى ما وراء السطح.

ولعل هذا وحده يكفي ليجعل القراءة اليوم أكثر الأفعال ثورية. فلا توجد سعادة أكثر من أن يمتلك المرء اطمئنانًا معيشيًا، يجعله يقرأ ويقرأ ويفكر بما لم يقرأه بعد كي يستعد له في الغد!


 

 

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 10 أغسطس 2026
سجّلت السلطات البريطانية رقمًا قياسيًا جديدًا في عدد المهاجرين الذين عبروا القنال الإنجليزي على متن قارب صغير واحد، بعدما وصل نحو 230 شخصًا إلى السواحل البريطانية خلال الليل على متن قارب مطاطي واحد، وهو أعلى عدد يُسجَّل في رحلة واحدة…
𝕏 @alarabinuk · 10 أغسطس 2026
علق الإعلامي البريطاني علي معراج، خلال برنامجه على إذاعة LBC، على الأنباء العاجلة بشأن رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المرحلة التالية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام في غزة، قائلًا: "لا أستطيع مواكبة التطورات"، في إشارة إلى سرعة…
𝕏 @alarabinuk · 10 أغسطس 2026
بعد إلصاق عبارة "عد إلى بلدك" على ظهر شاب يبدو على ملامحه أنه من أصول مهاجرة.. #شاهد كيف تفاعل الناس مع هذا الموقف في تجربة اجتماعية أظهرت وعي الشارع ورفضه لخطابات العنصرية والكراهية، بعيدًا عما تتداوله وسائل الإعلام وتصريحات القادة.…
𝕏 @alarabinuk · 10 أغسطس 2026
🗞️حزمة من القضايا الساخنة التي تمس أمن الشارع البريطاني وسياساته الداخلية والدولية تتصدر الصحف البريطانية اليوم. التفاصيل في التعليق الأول👇 #العرب_في_بريطانيا #AUKUK
عرض المزيد على X ←