العرب في بريطانيا | الفرقة السمفونية العراقية تحتضر، العزاوي يلوّح ...

الفرقة السمفونية العراقية تحتضر، العزاوي يلوّح لنا بالوداع

WhatsApp Image 2026-08-06 at 09.24.15
كرم نعمة أغسطس 6, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ما زالت تلك الجملة التي قالها لي الفنان عبد الرزاق العزاوي قبل أكثر من ثلاثة عقود تتردّد في داخلي كأنها لازمة موسيقية لا تنتهي: “كرم… كل هذه الفرقة تدين لك بشيء، مثلما تدين أرواحنا للموسيقى.”

جملة تشعرني بالفخر كلما استعادتها الذاكرة، وتعيدني إلى تلك اللحظة التي بدا فيها أن الموسيقى وحدها كانت تقاوم موت البلاد.

أستعيدها كلما مررت أمام المدرسة الملكية العسكرية للموسيقى في تويكنهام، على بعد خطوات من منزلي. أحيانًا يصلني صوت الفرق العسكرية البريطانية وهي تعزف في فضاء المدرسة في حفلاتها الصيفية، فأقف متسائلًا: هل مرّ العزاوي من هنا؟ هل عبر هذا المكان ذات يوم وهو طالب موسيقى في بريطانيا قبل أن يعود ضابطًا موسيقيًا في الجيش العراقي؟

تلك الأسئلة ليست بحثًا عن معلومة، بل بحث عن أثر… عن ظلّ رجل كان يحمل الذائقة السمعية العراقية كما يحمل العازف كمانه: بحرص، بغيرة، وبخوف من أن ينكسر.

أتذكّر ذلك اليوم حين اتصل بي أسعد محمد علي، الروائي والناقد الموسيقي والعازف على آلة “الفلوت” في الفرقة، وقال لي بصوته الذي يشبه نبرة آلة نفخ حزينة: “كرم… تعال إلى الفرقة، هناك ما يستحق أن يُكتب.”

كانت الفرقة تتمرّن في قاعة الرباط في الأعظمية، بينما كان العراقيون يعيشون تحت وطأة طوق الحصار الأعمى الذي جعل الموسيقى آخر ما يمكن التفكير فيه. ومع ذلك، كانت الفرقة تقاوم فقدان الأمل كما تقاوم الشجرة العطش في صيف بلا ماء.

الفرقة السمفونية العراقية تحتضر، العزاوي يلوّح لنا بالوداع

كانوا يتصرفون كعائلة واحدة، يشدّون أزر بعضهم بنوع من التقوى الخالصة للموسيقى. أحدهم يمرّ على الآخرين بسيارته كي يجتمعوا في أماسي ضيقة، كأنهم يهربون من الخراب إلى ملاذ صغير اسمه الموسيقى.

في تلك الزيارة، سمعت الخوف في أصواتهم… خوفًا من أن ينفرط عقد الفرقة كما ينفرط عقد البلاد.

بياتريس أوهانسيان كانت تتحدث بثقة الزمن الذي يجب أن يبقى قويًا، بينما كانت نظرة آرام باباخيان موجعة وهو يروي كيف فقد أعزّ كمان لديه في القصف الأميركي على منزله في شارع الرشيد.

أسعد كان يستمع بصمت، يترك لي أن أجمع الأصوات، أن ألتقط الخيبة التي تسكنهم، وأن أكتبها كما تُكتب النوتة الأولى في مقطوعة حزينة.

العزاوي كان يقول لي يومها: “انكسار الفرقة يعني انكسار ذائقة عراقية نمت منذ أيام الشريف محي الدين حيدر… لا تسمحوا أن تُنسى.”

كان يعرف أن الفرقة ليست مجرد موسيقى، بل ذاكرة بلد، وأن تركها وسط تلك الصعوبات يعني خسارة العراق جزءًا من روحه.

وهكذا كتبت التحقيق المطوّل، ذلك الذي ما زلت أتذكر عنوانه بعد أكثر من خمسة وثلاثين عامًا: “الفرقة السمفونية العراقية تحتضر!”

نشر على نصف صفحة في جريدة الجمهورية، وكان أشبه بجرس إنذار وصل صداه إلى أعلى مصدر قرار في الدولة.

بعد يومين، جاءني أسعد محمد علي إلى الجريدة وقال لي وهو يبتسم ابتسامة تشبه الخلاص: “لقد رميت يا كرم حجارة في مياه حكومية راكدة.”

بعد نشر التحقيق صدرت التعليمات من أعلى سلطة في رئاسة الجمهورية بأن تُلبّى كل احتياجات الفرقة، وأن يُحافظ على كادرها، وأن تُسهّل أعمالها.

ثم توالت الاتصالات… بياتريس تشكرني بصوت رسمي كأنني مصدر قرار ولست صحافيًا مسكونًا بالذائقة السمعية، والعزاوي يصفني بالشجاع الذي أوصل صوت الفرقة إلى أعلى سلطة، ويقول جملته التي لا تغادرني: “كرم… كل هذه الفرقة تدين لك بشيء مثلما تدين أرواحنا للموسيقى.”

اليوم… رحل عبد الرزاق العزاوي. وقبله رحل أسعد محمد علي، ذلك الرجل الذي كتب عن الموسيقى كما لو أنه يكتب عن قلبه. وقبله رحل آرام باباخيان، ودمعته على كمانه الثمين الذي فقده في القصف رافقته إلى القبر.

وبعده رحلت أوهانسيان في مغتربها الأرمني، تلك السيدة العراقية المثالية في كل شيء: من جلستها أمام البيانو إلى طريقة كلامها، إلى أرديتها التي كانت الفرشات ترقص على دانتيلها.

العزاوي لم يكن مجرد قائد للفرقة، بل كان حارس الذائقة السمعية العراقية.

لم يكتفِ بالتأليف الموسيقي، بل أعاد توزيع أروع الأغاني العراقية، تلك التي أرّخت لولهٍ عراقي لا يشبه أي وله آخر.

عودوا إلى توزيعه لألحان جيل الخمسينات وعزفها على آلات غربية… ستعرفون كيف كان يستلّ الأرواح من بين النغمات، وكيف كان يجعل الموسيقى تمشي على الذاكرة، والذاكرة تمشي على الموسيقى.

اليوم، حين يلوّح لنا العزاوي بالوداع، لا يرحل وحده… بل يرحل معه فصل كامل من تاريخ الذائقة العراقية، فصلٌ كان فيه الصوت مقاومة، والموسيقى وطنًا، والفرقة السمفونية آخر ما تبقّى من جمالٍ لم يستطع الخراب ابتلاعه.


إقرأ أيضًا:

اترك تعليقا