العرب في بريطانيا | محمد حديد والد زها حديد في ضيافة أغاثا كريستي

محمد حديد والد زها في ضيافة أغاثا كريستي

محمد حديد والد زها في ضيافة أغاثا كريستي
كرم نعمة أغسطس 14, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

الذاكرة ليست ما نحتفظ به في الحقائب، بل ما يسبقنا إلى الأماكن الشاهقة ويهيّئ لنا الطريق. هكذا وأنا أقرأ بشغف مذكرات محمد حديد، والد زها، وجدتُني أستعيد تلك المرة الوحيدة التي التقيته فيها. كان بصحبة صديقي الباحث زهير العطية في بهو فندق “الرشيد” وسط بغداد، قبل أكثر من ثلاثين عاماً.

جلستُ أستمع إليه باحترامٍ لا يخلو من رهبة، دون أن أجرؤ على طلب حوار أو تصريح صحفي؛ فقد كان معروفاً بأنه لا يمنح أحداً ذلك الامتياز. مرّت أكثر من ساعة، ثم قال لنا بهدوئه الرصين: “لا شيء مما تحدثنا فيه يصلح للنشر”. التفتَ إليّ زهير العطية بابتسامته الواثقة وقال له: “اطمئن… فكرم موضع ثقتي”.

كانت تلك الجملة وحدها كافية لتمنحني شعوراً نادراً: أنني في حضرة رجلٍ يعرف قيمة الكلمة، ويتقن سرّ صونها قبل إطلاقها. وها أنا أجد ذلك الانضباط الأخلاقي متجسداً في متن كتابه الرائع “مذكراتي”، الذي حرره نجدة فتحي صفوة.

لم يكن محمد حديد مجرد وزير في حكومات العهدين الملكي والجمهوري، بل كان واحداً من أولئك العراقيين الاستثنائيين الذين عبروا العالم وهم يحملون في جيوبهم ثقل الحضارة العراقية ونبالتها.

في إحدى زياراته إلى أسرته في الموصل بعد الحرب العالمية الثانية، وكان يعمل يومها في بغداد، “كما يروي في مذكراته”، وقف أمام خيمةٍ منصوبة على تلّ “نمرود”؛ حيث كان المنقّب الآثاري البريطاني ماكس مالوان وزوجته الروائية أغاثا كريستي يواصلان حفرياتهما في القصور الآشورية، كأنهما ينقبان عن روح العراق لا عن أحجاره فقط. هناك، في ذلك اللقاء العابر، جلس الاقتصادي العراقي القادم من الموصل والمتخرج في “مدرسة لندن للاقتصاد” (LSE)، مع سيدة رواية الجريمة العالمية، يشربان الشاي في خيمةٍ فوق أطلال ملوك آشور. تبادلا حديثاً يشبه الاحترام المتبادل بين ثقافتين تلتقيان على نديّة المعرفة، بلا سياسة ولا ضجيج.

ولم يكن ذلك اللقاء مصادفة، بل بداية لعلاقةٍ امتدت حين دعته أغاثا وزوجها إلى منزلهما في لندن؛ وكأن الذاكرة الآشورية التي حملها من نمرود وجدت طريقها الطبيعي إلى بيتٍ بريطاني يعرف قيمة الشرق.

هذه التفاصيل الثمينة تكشف أن زها حديد وشقيقيها هيثم وفولاذ لم يكونوا طارئين على لندن، ولم يدخلوا العاصمة البريطانية كغرباء يفتشون عن موطئ قدم. ذاكرة عائلتهم سبقتهم إلى هناك؛ عبر خيمة في نمرود، ودعوة شاي في بيت أغاثا كريستي، وعلاقة احترام بين عالم آثار ورجل دولة كان يرى في الحضارة جزءاً من تكوينه الشخصي.

لم تكن سنوات محمد حديد في لندن مجرد مرحلة دراسية في “LSE” تشكلت فيها أفكاره الاقتصادية والسياسية، بل كانت العمارة الذهنية التي استندت إليها زها فيما بعد. الوالد الذي استوعب صرامة التخطيط الغربي دون أن يفقد هويته الشرقية، زرع في وجدان ابنته تلك الجسارة الحضارية. وهكذا لم تأتِ زها إلى لندن لتبني مجرد انحناءات وهياكل معمارية مائلة بطريقة الرقص أو الحليب المسفوح! بل جاءت لتعيد صياغة الفضاء المعماري في بريطانيا والعالم بأسره؛ من مركز الألعاب المائية في لندن، إلى متاحف ومشاريع امتدت من الصين إلى قلب أوروبا حتى أبوظبي والرباط. كانت زها تكسر جلود المباني القاسية بنفس العناد والأنفة اللذين حملهما محمد حديد وهو يفاوض على مستقبل بلاده.

حضور زها في الفضاء المعماري العالمي لم يكن حدثاً منبتّ الجذور، بل كان امتداداً لسيرة عائلية وعراقية طويلة، عبرت الجغرافيا الإنسانية قبل أن تعبر خطوط الهندسة والعمارة.

لعل أوجع ما في هذه المفارقة أن عراقاً يرزح اليوم تحت وطأة الخراب، كان يوماً بلداً تستقبله أغاثا كريستي فوق أطلال نمرود، ويُرسل محمد حديد إلى أرستقراطية لندن لا كلاجئ، بل كضيفٍ يملك الحضور والمعنى.

ذاكرةٌ كهذه لا تُكتب، بل تُعزف؛ مقطوعةٌ شجية تصدح لتذكرنا بأن العراق الحقيقي، مهما أمعنوا في تغريبه، كان يوماً مركزاً يلتقي عنده العالم!

واليوم، وفي قسوةٍ أخرى من قسوات الأوديسة العراقية، يرقد محمد حديد وابنته زها معاً في مقبرة “بروكوود” بقرب لندن.

الأب الذي حفظ كرامة الكلمة ورسم السياسات الاقتصادية لبلدٍ شاهق، ينام إلى جوار السيدة التي روّضت الباطون وانحنت لها خطوط الهندسة في العالم. إنهما هناك، في ذات التراب البريطاني الغريب؛ يتبادلان صمتاً أخيراً يشبه صمت خيمة نمرود، ويذكراننا بأن العراق الحقيقي—مهما أمعنوا في إطفاء ضوئه—كان يوماً مركزاً يلتقي عنده العالم، قبل أن يرمي بأجمل أبنائه ليصبحوا حبات ثرى في الأرض البعيدة القريبة!


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا