العرب في بريطانيا | الحشود: من وزن الثور إلى قطيع الوهم

الحشود: من وزن الثور إلى قطيع الوهم

الحشود: من وزن الثور إلى قطيع الوهم كرم نعمة
كرم نعمة يوليو 5, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

في خريف عام 1906، وقف عالم الإحصاء البريطاني فرانسيس غالتون في معرض زراعي بمدينة بليموث، يراقب حشداً من ثمانمئة شخص وهم يشاركون في مسابقة لتخمين وزن ثور ضخم. عندما جمع غالتون البطاقات وحسب متوسط التخمينات، صُدم بأن الرقم المقدر كان دقيقاً بفارق رطل واحد فقط عن الوزن الحقيقي. ولدت آنذاك النظرية الشهيرة “حكمة الحشود”، التي افترضت أن المجموع يمتلك ذكاءً تقديرياً يتفوق على رأي الخبير المنفرد.

لكن غالتون، في انبهاره الإحصائي ذاك، غاب عنه أن حشده كان يتكون من أفراد مستقلين، يبذل كل منهم جهداً ذهنياً منفصلاً قبل كشف بطاقته. ماذا لو تحول هذا الحشد إلى كتلة بشرية متراصة، يتحرك أفرادها بهرمون جماعي واحد، طائفي أو قومي أو عنصري، ويلغون عقولهم لفائدة “الروح المشتركة”؟ الإجابة صاغها بدقة الطبيب وعالم الاجتماع الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه التأسيسي “سيكولوجية الجماهير”، حين كتب بصرامة: “الجمهور لا يجمع الذكاء، بل الغباء، وفي الحشد، فإن الذكاء يذوب، وتتحكم الغرائز البدائية في المجموع”.

ولعل هذا التناقض الصارخ في التعامل مع “الثور” كرمز، هو ما يحيلنا بعد أربعين عاماً من حادثة غالتون، وتحديداً في أعقاب الحرب العالمية الثانية، إلى واقعة مغايرة استعادتها الروائية الحكيمة دوريس ليسنغ في مذكراتها عن روديسيا (زيمبابوي اليوم). تروي ليسنغ درساً إنسانياً مستمراً عن ارتداد الطبيعة البشرية، عندما أقدم مزارع أبيض، كان على درجة عالية من الوعي والنجاح والاحترام، على إعدام ثور يملكه بعد أن قتل الثور بغتة، وعلى نحو يتعذر تفسيره، حارسه الصبي الأسود.

يومها، وتحت وطأة الهيجان الجماعي، عُقد ما يشبه المحكمة السريالية للثور! ورغم أن أسرة الصبي حصلت على تعويض مالي، فإن مالكه -مدفوعاً بضغط الحشد وهستيريا الموقف- رفض كل الالتماسات، ونفذ الحكم بالفناء؛ إذ أُعدم الثور على يد فرقة كاملة لإطلاق النار وسيق إلى قبره. لا ترى ليسنغ، بتفكيكها العميق للنفس البشرية، في تلك الاستعادة أن ذلك المزارع وحشده كانوا سذجاً أو جهلة في حياتهم الاعتيادية، بقدر ما ترى فيها دليلاً قاطعاً على سهولة صعود “الفورات البدائية الفظيعة”، وارتداد البشر جماعياً إلى السلوك الهمجي بمجرد أن يذوب وعي الفرد في انفعال المجموع.

ومن محكمة الثور السريالية في إفريقيا، إلى جنون الساحات الحديثة، نكتشف أننا نعيش اليوم العصر الذهبي لانفلات الحشود؛ حيث تحولت “الحكمة الجمعية” إلى “حماقة منظمة”. ولا تبدو هذه الحماقة أكثر وضوحاً مما هي عليه في ملاعب كرة القدم، وتحديداً في منافسات كأس العالم. هنا، يتحول المشجع من فرد عاقل في بيته، إلى ترس في ماكينة تعصب أعمى داخل المدرجات، أو أمام الشاشات الضخمة في الميادين والحانات. التعصب الكروي ليس شغفاً بالرياضة، بل هو استدعاء عصابي للقبيلة في أبشع صورها؛ ففي لحظة الفوز، يتحول الاحتفال إلى هيستيريا تنتهك القوانين، وفي لحظة الهزيمة، ينفجر الغضب تدميراً عشوائياً للمدن والممتلكات.

لقد تجسد هذا الهلع من انفلات حشود الملاعب في القرار الاستثنائي والنادر الذي اتخذته الحكومة البريطانية مؤخراً، بالسماح للحانات بالبقاء مفتوحة حتى الساعة الخامسة فجراً، تزامناً مع مباراة إنجلترا والمكسيك التي ستُقام بعد منتصف الليل بسبب فارق التوقيت. هذا القرار دفع بجهاز الشرطة البريطانية (سكوتلاند يارد) إلى إعلان استيائه الصريح وخشيتة البالغة من عدم القدرة على السيطرة على الوضع؛ فالشرطة تدرك، بوعي سيكولوجي ملموس، أن مزيج الكحول مع هيستيريا الحشود الكروية، سواء بالزهو الحاد أو الخيبة المريرة، يلغي تماماً كوابح القوانين ويطلق غرائز العنف الأعمى.

هذا الانفلات الكروي هو مرآة مكبرة لما يحدث في التجمعات الطائفية، والسياسية، والعنصرية؛ حيث تتحرك الحشود التي تهتف وتتحمس لنفس الشيء في الوقت ذاته بدافع من عاطفة عمياء تخيف المراقب العقلاني؛ لأنها تقود حتماً إلى كوارث وصدمات جمعية بدلاً من الدقة أو الصواب. وتتجلى هذه الكارثة بأبشع صورها السياسية والعقائدية في جغرافيا مشحونة مثل العراق، وتحديداً من خلال استثمار مصطلح “الحشد” في تسمية ميليشيات طائفية تنضوي تحت ما يُعرف بـ “الحشد الشعبي”.

هذه التسمية لم تكن مجرد خيار لغوي عابر، بل كانت توظيفاً سيكولوجياً خبيثاً لفكرة “الشرعية المذهبية” لتبرير وتمرير فكرة الحشد الطائفي المسلح. تحت غطاء هذه التسمية، ألغيت القيمة الأخلاقية للفرد العراقي، وصهر الجماهير في قالب طائفي متأهب، ما شرعن ممارسات مرعبة كالقتل على الهوية وتصفية الآخر، فقط لأن “الحشد” قرر ذلك. هنا يتحول الفرد الصالح، عندما يذوب في الهوية المذهبية، إلى أداة قتل صماء لا تشعر بالذنب، لأن المسؤولية الأخلاقية تلاشت تماماً داخل الكتلة المليونية المسلحة.

وإذا كان “الحشد” المادي في الشارع يمارس التدمير، فإن “الحشد الرقمي” على منصات التواصل الاجتماعي يمارس نوعاً آخر من التخريب الفكري. ففي المساحات الصوتية، والتغريدات، ومقاطع الفيديو القصيرة، نرى حشوداً تقدر بملايين المتابعين تلتف حول محتويات تعبر عن التفاهة في أقصى تجلياتها. المفارقة هنا أن هذه الملايين تمنح “التافه” شرعية النبوة الرقمية؛ حيث تعمل خوارزميات المنصات كغرف صدى تمنع التفكير النقدي وتدفع بالقطيع البشري نحو مزيد من السطحية. الذكاء الفردي ينسحب خجولاً أمام هدير “التريند” الذي يصنعه الغباء الجمعي المنظم.

حتى في المشاهد السياسية الكبرى، نرى هذا التناقض الصارخ الذي تحركه سيكولوجية الحشود. خذ مثلاً الحشود التي خرجت في تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي؛ مشهد يبدو للوهلة الأولى وكأنه استفتاء على الولاء المطلق. لكن القراءة الواعية لواقع المجتمع الإيراني تكشف الخديعة؛ إنها ذاتها “سيكولوجية الحشد المقاد” بالخوف والتعبئة الموجهة. والمفارقة الصادمة هي أن ملايين الإيرانيين أنفسهم، وقبل وقت قصير، كانوا قد خرجوا في احتجاجات دامية واجهت رصاص النظام بصدور عارية لإسقاطه.

كيف يخرج الحشد نفسه تارة للموت من أجل إسقاط النظام، وتارة أخرى لتشييع رمزه بتَباكٍ جماعي؟ الجواب عند لوبون: “الجماهير لا تعرف المحاكمات العقلية، بل تفكر بالصور والرموز المتتالية، وتنتقل من أقصى درجات الغضب إلى أقصى درجات التقديس بمجرد تحريك العاطفة الجماعية”. الحشد في التشييع كان يسير تحت تأثير “وهم الإجماع” والرهبة، أما الحشد في الاحتجاجات فقد كان مدفوعاً بوعي الفرد المنفصل الذي استعاد كرامته وحريته قبل أن يذوب في الجماعة.

إن العصر الحديث، بأدواته الرقمية وسياساته الشعبوية، يثبت أن الحشود لا تصنع وعياً، بل تعيد إنتاج الجهل المقدس. من مدرجات الملاعب إلى سرادق الطائفية المسلحة في العراق، ومن شاشات الهواتف الذكية إلى ميادين التشييع المسرحي في إيران، يظل الخوف واحداً: أن يتحول الإنسان العاقل إلى مجرد رقم في قطيع أعمى، يصفق ويهتف ويدمر، دون أن يسأل نفسه للحظة واحدة: لماذا أركض مع هؤلاء؟

إن الشك الفردي هو صمام الأمان الوحيد للبشرية، أما اليقين الجمعي للحشود فليس سوى الوصفة المثالية للخراب.

في النهاية، يبدو أننا نقايض أثمن ما نملك -فردانيتنا وقدرتنا على السؤال- مقابل وهم كاذب نعيشه داخل القطيع. وإذا كان “ثور” غالتون قد نجا بوزنه الدقيق قبل قرن من الزمان قبل أن يُنحر ثور روديسيا همجيةً، فإن الإنسان الحديث هو من يوضع اليوم على الميزان. والمفارقة المرعبة هنا؛ أننا كلما زاد صراخنا الجمعي وتراصت أكتافنا في الميادين والمدرجات والمنصات الرقمية، خفَّ وزننا العقلي وتلاشت إنسانيتنا. ليبقى السؤال الملحّ واللاذع معلقاً فوق رؤوس هذه الحشود الصاخبة: ما النفع من أن نملك أحدث الهواتف الذكية، والملاعب الفاخرة، والجيوش العقائدية المليونية، إذا كنا نديرها جميعاً بعقل “ثور”؟


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا