نظارات ذكية تعري العالم… وتعرّينا
في عقود مضت، عندما كان أحدنا يسافر إلى أوروبا، كان يعود محمّلاً بقصص لا تشبه الواقع ولا تشبه أوروبا نفسها. قصص غريبة، مثيرة، ومختلقة، لكنها كانت تجد جمهوراً واسعاً بين المكبوتين والجهلة والمتلصصين. من أشهر تلك الأساطير التي شاعت في أربعينيات القرن الماضي: نظارات يضعها الأوروبيون فتُظهر لك الناس عراة كما خلقهم ربهم. لم تكن القصة سخيفة آنذاك، بل كانت أشبه بفتنة صغيرة تهزّ خيال مجتمع لا يعرف من العالم سوى ما يُحكى له في المقاهي.
كيف يمكن لنظارات أن تعري النساء أمامك دون أن يعرفن؟
كان السؤال وحده كافياً ليصنع دهشة كاملة في زمنٍ كان الخيال بشأن الجسد محبوساً، والجهل سيّد الحكاية.
لم تكن تلك النظارات موجودة، لكن الحاجة إلى تصديقها كانت موجودة بقوة.
واليوم، بعد كل تلك العقود، يبدو أن التكنولوجيا قررت أن تنتقم من تلك الأكاذيب القبيحة… بأن تجعلها حقيقة.
شركة ميتا، تلك الإمبراطورية الغارقة في الظلام، لم تعد تكتفي بالتحكم في مشاعر البشر عبر منصاتها، بل قررت أن تضع عينها على وجوه الناس مباشرة. النظارات الذكية التي عرضتها للجمهور ليست أداة تقنية، بل امتداد لسلطة تزعم أنها تربط العالم كما يقول مديرها التنفيذي مارك زوكربيرغ، غير أنها في حقيقة الأمر تريد أن تحكم العالم كإمبراطورية رقمية فوق الدول عدد سكانها أكثر من خمسة مليارات شخص، ليكونوا خاضعين لها دون أن يشعروا.
النظارات الجديدة لا تعري الجسد كما في أساطير الأربعينيات، لكنها تعري الإنسان بطريقة أخطر، تعري خصوصيته، وصوته، ووجهه، وخطواته، ووجوده نفسه.
فبضغطة زر، أو بغمزة صوتية، يمكن لأي شخص أن يصوّر الآخرين دون علمهم. يمكنه أن يسجل محادثاتهم، أن يلتقط صور وجوههم، أن يحولهم إلى بيانات بيومترية. يمكنه أن يسرق لحظاتهم الخاصة، ويحوّلها إلى محتوى، أو إلى ابتزاز، أو إلى سلعة.
تحليل مجلة وايرد الأميركية كشف أن ميتا دمجت تقنية التعرف على الوجوه داخل تطبيق النظارات. الميزة تُعرف داخلياً باسم “Name Tag” تلتقط الكاميرا وجه الشخص، فتقصّه، ثم تحوله إلى بيانات بيومترية، ثم تُنبه المستخدم: هذا فلان.
تخيل أن هذه التقنية تقع في يد مطارد، أو جهة حكومية، أو سلطة تريد أن تعرف كل شيء عن كل شخص في كل لحظة.
ومع كل هذه المخاوف، تستعين ميتا بالمشاهير لتلميع الجهاز، وكأن المشكلة ليست في الجهاز، بل في طريقة تقديمه. كايلي جينر عارضة الأزياء وفتاة الإعلانات تروّج للنظارات بينما النساء حول العالم يشتكين من إساءة استخدامها لمضايقتهن.
لم يعد يكفي أن تغطي كاميرا اللابتوب، أو أن توقف مساعد الصوت الذكي (سيري). شركات التكنولوجيا تتوسع لتشمل كل جانب من حياتنا، وكلما تطورت هذه الأنظمة، وازداد استخدامها من قبل المؤثرين، قلّت نظرتنا إليها على أنها شاذة.
إن أخطر ما في هذه النظارات ليس قدرتها على التصوير، بل قدرتها على “إعادة تعريف معنى الخصوصية”. الخصوصية لم تعد جداراً يحمي الإنسان، بل أصبحت مجرد إعدادات في تطبيق، يمكن تعطيلها أو تجاوزها أو اختراقها. الأخلاق التي كانت تحكم العلاقة بين البشر -الحياء، والاحترام، والمسافة الآمنة- تتحول اليوم إلى معادلات رياضية داخل خوارزمية لا تعرف الخجل ولا تفهم حدود الكرامة.
إن نظارات ميتا لا تلتقط الصور فقط، بل تلتقط “حق الإنسان في أن يكون غير مرئي”، في أن يختار كيف يظهر ومتى يظهر ولمن يظهر. هذه التكنولوجيا لا تنتهك الخصوصية فحسب، بل تنتهك حق الإنسان في أن يحتفظ بجزء من نفسه بعيداً عن أعين الآخرين. إنها ليست أداة مراقبة، بل أداة “تجريد أخلاقي”، تُحوّل البشر إلى مشاهِدين ومشاهَدين في الوقت نفسه، بلا إذن، وبلا سياق، وبلا احترام.
وهكذا تمثل هذه النظارات لحظة انكسار في العلاقة بين الإنسان وعالمه. فالرؤية كانت دائماً فعلًا وجودياً: أن ترى يعني أن تشارك العالم، وأن تتفاعل معه، وأن تمنحه جزءاً من وعيك. أما اليوم، فالرؤية تتحول إلى عملية “استخراج بيانات”، إلى فعل ميكانيكي لا يمرّ عبر الروح ولا عبر الوعي، بل عبر عدسة باردة تُحوّل الوجوه إلى نقاط، والمشاعر إلى إشارات، والوجود إلى ملف قابل للتحميل.
إن نظارات ميتا لا توسّع إدراك الإنسان، بل “تقلّصه”؛ تجعل العين مجرد قناة لجمع المعلومات، وتحوّل العلاقة بين البشر إلى علاقة مراقِب ومراقَب، لا علاقة كائنين يتبادلان الوجود. إنها خطوة أخرى نحو عالم يصبح فيه الإنسان “كائناً شفافاً بالكامل”، بلا أسرار، وبلا مناطق مظلمة، وبلا مساحة داخلية لا تصل إليها الآلة. وهذا هو جوهر الخطر: أن تفقد البشرية حقها في الغموض، وفي الاختفاء، وفي أن تكون أكثر من مجرد صورة يمكن تحليلها.
ومع كل هذا الجنون التكنولوجي، لا نجد أمامنا سوى أن نعود إلى الرجل الذي مات قبل أن يرى الإنترنت، لكنه كتب عنه كما لو أنه عاش بين خوارزمياته: جورج أورويل. كأن البشرية، كلما تقدّمت خطوة في الذكاء الاصطناعي، تعود راكضة إلى رواية “1984” لتبحث عن تفسير لما يحدث. أورويل لم يكن يتنبأ بالمستقبل، بل كان يكتب عن حاضرٍ لم نكن نراه. واليوم، ونحن نضع نظارات تستطيع أن تمسح وجوه الناس وتحوّلهم إلى بيانات، ندرك أن “الأخ الأكبر” لم يكن دولة ولا حزباً، بل كان فكرة تنتظر شركة تكنولوجية عملاقة كي تتجسد. ما كان أورويل يحذّر منه بوصفه كابوساً سياسياً، أصبح الآن منتجاً يُباع في الأسواق، ويُروّج له المشاهير، ويُوضَع على الوجه كما تُوضع النظارات الطبية.
لقد تحوّل الأخ الأكبر من رمز للسلطة إلى سلعة، ومن جهاز مراقبة إلى إكسسوار يومي، ومن رواية إلى واقع لا يحتاج إلى خيال.
في النهاية، أتذكر تلك المقولة التي كانت تُدرّس للصحافيين: “على الصحافي أن ينظر بأكثر من عين كي يصنع قصته” اليوم لم تعد هذه حكمة مهنية، بل أصبحت أداة بيد كل من يضع نظارات ميتا، يصنع قصته من حياة الآخرين، من لحظاتهم المقصودة وغير المقصودة، ومن خصوصيتهم، ومن ضعفهم، ومن أجسامهم، ومن وجوههم، يصنع قصته… بتعريتهم.
الرابط المختصر هنا ⬇