العرب في بريطانيا | بين الصّفحة والرّوح… رحلة التّشكّل

بين الصّفحة والرّوح… رحلة التّشكّل

بين الصّفحة والرّوح… رحلة التّشكّل بقلم: أميرة عليّان تبلو
أميرة عليان تبلو يونيو 27, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ليست القراءة اليومية عادةً تُضاف إلى جدول الإنسان كما تُضاف المواعيد، ولا هي ترفٌ ثقافي يُمارسه من يملك فائضاً من الوقت. إنها، في عمقها، فعلُ إعادة خلقٍ متواصل، وولادةٌ تتكرر كل يوم، حتى يغدو القارئ شخصاً جديداً دون أن يشعر. فالإنسان لا يتغير دائماً بالصدمات الكبرى، وكثيراً ما يتبدل بتلك القطرات الهادئة التي تنحت روحه على مهل، والقراءة هي أكثر تلك القطرات صبراً وأعمقها أثراً.

إن أخطر ما قد يصيب الإنسان ليس الجهل، وإنما أن يظن أن العالم ينتهي عند حدود ما يعرفه. فالجهل بابٌ قد يدفع صاحبه إلى البحث، أما وهم المعرفة فهو بابٌ يُغلق على العقل من الداخل. وهنا تأتي القراءة لتفتح النوافذ المغلقة، وتخبر الإنسان أن الحقيقة ليست قطعةً جامدة يمتلكها، وإنما أفقٌ يبتعد كلما اقترب منه.

كل كتاب نقرؤه هو حياةٌ أخرى نعبرها دون أن نغادر مكاننا. نعيش أعماراً ليست أعمارنا، ونرى العالم بعيونٍ لم تُخلق في وجوهنا، ونشعر بآلامٍ لم تمس أجسادنا، وأفراحٍ لم تكن من نصيبنا. ولذلك فإن القارئ لا يملك عمراً واحداً، ولكن يحمل في داخله أعماراً متراكمة، وتجارب لا تُحصى، حتى يصبح أكثر رحابةً في الفهم، وأقل استعجالاً في الأحكام.

والقراءة اليومية لا تُضيف إلى الإنسان معرفةً فحسب، وإنّما تُهذّب لغته الداخلية. ذلك الصوت الخفي الذي يُحادث به الإنسان نفسه يصبح أكثر اتزاناً وأقل صخباً. فمن يقرأ كثيراً، يتعلم أن الأفكار لا تُولد بالصراخ، وأن الحكمة لا تحتاج إلى الضجيج كي تُثبت وجودها. ولذلك يبدو القارئ أكثر ميلاً إلى التأمل، وأكثر قدرةً على الإنصات، لأن الكلمات التي استقرت في أعماقه علّمته أن الصمت أحياناً أبلغ من الكلام.

ثم إن القراءة تُعيد ترتيب العلاقة مع الزمن. فالإنسان الذي يقرأ كل يوم لا يستهلك أيامه، بل يستثمرها. إنه يُدرك أن اليوم الذي يمر دون فكرةٍ جديدة يشبه شجرةً لم تُثمر، وأن العقل، كالأرض، إن لم يُزرع فيها شيء، نبتت فيها الأعشاب البرية وحدها. ولذلك تصبح القراءة مقاومةً خفية ضد التآكل الداخلي، وضد الاعتياد الذي يحوّل الحياة إلى تكرارٍ بلا معنى.

ولعل أجمل ما تمنحه القراءة أنها تُعلّم الإنسان التواضع. فكل كتابٍ يفتحه يكتشف من خلاله حجم ما يجهله، وكل فكرةٍ يفهمها تكشف له عشرات الأفكار التي لم يبلغها بعد. وهكذا، كلما ازداد علماً، ازداد شعوراً بأنه لا يزال في بداية الطريق. وهذه المفارقة هي سر الحكمة؛ فالحكماء ليسوا أولئك الذين يعتقدون أنهم وصلوا، وإنّما الذين يعرفون أن الوصول الكامل وهمٌ لا يتحقق.

وفي هذا الزمن الّذي تتزاحم فيه الأصوات، وتتنافس الشاشات على خطف الانتباه، تصبح القراءة اليومية فعلاً من أفعال التّحدّي والمقاومة. مقاومةً للسطحية، وللاستهلاك السريع، وللعقول التي تُقاد بالعناوين المختصرة والانفعالات العابرة. إنها تمنح الإنسان القدرة على التمهل، وعلى الغوص بدل الاكتفاء بالسطح، وعلى التفريق بين الرأي والحقيقة، وبين الشهرة والقيمة.

وليس أثر القراءة مقصوراً على العقل وحده، بل يمتد إلى الأخلاق أيضاً. فمن يقرأ عن معاناة البشر، يتسع قلبه للرحمة، ومن يقرأ عن التاريخ، يتواضع أمام تقلّب الأيام، ومن يقرأ الأدب، يكتشف أن الإنسان، مهما اختلفت لغته أو وطنه، يحمل في أعماقه الخوف نفسه، والحب نفسه، والحلم نفسه.

إن القراءة اليومية لا تغيّر العالم مباشرة، لكنها تغيّر الإنسان، والإنسان هو الذي يغيّر العالم. وما من حضارةٍ عظيمة بدأت بالسلاح قبل أن تبدأ بالفكرة، ولا بفكرةٍ قبل أن تبدأ بكلمة، ولا بكلمةٍ قبل أن تجد قارئاً يمنحها الحياة.

ولهذا، فإن الصفحة التي تُقرأ كل صباح ليست مجرد ورقة تُطوى بعد الفراغ منها، فهي لبنةٌ تُضاف إلى بناء الروح. وبعد سنوات، لن يتذكر الإنسان كل كتابٍ قرأه، كما لا يتذكر تفاصيل كل وجبةٍ تناولها، لكنه سيجد نفسه قد أصبح شخصاً آخر؛ أكثر وعياً، وأعمق نظراً، وأرقّ قلباً، وأشد قدرةً على فهم نفسه والناس والحياة.

وهكذا، لا تكون القراءة عادةً يومية فحسب، ولكن تصبح أسلوباً في الوجود، ووسيلةً لتربية الروح، وسفراً لا يحتاج إلى حقائب، ورفيقاً لا يخون، ونوراً صغيراً يتكرر كل يوم، حتى يبدد، دون ضجيج، عتمة العمر كله.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا