العرب في بريطانيا | رسالتان بين منفيَّين... حين يشتاق المكان إلى أب...

رسالتان بين منفيَّين… حين يشتاق المكان إلى أبنائه

رسالتان بين منفيَّين... حين يشتاق المكان إلى أبنائه
أميرة عليان تبلو يونيو 22, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

صديقي العزيز..

أكتب إليك من مدينةٍ لا تعرف اسمي، ومن شارعٍ أمرُّ فيه كلّ يومٍ فلا يلتفت إليّ حجرٌ ولا شجرة. أكتب إليك من غربةٍ لا تُقاس بالمسافات، تُقاس بعدد المرات التي ينهض فيها القلب مذعوراً على ذكرى، ثم يكتشف أن الذكرى أبعد من أن تُلمس.

أما زلت تذكر تلك التلال التي كانت تستقبلنا كلّ صباحٍ؟ أما زلت تذكر كيف كانت عكّا تفرش ضوءها على سفوحها كأمٍّ تُرتّب شعر أطفالها قبل الذهاب إلى المدرسة؟

يا صديقي، ما أقسى أن يصبح الوطن خبراً يُتداول، وصورةً تُحفظ في الهاتف، وأغنيةً نخشى سماعها لأنها توقظ ما نحاول دفنه.

أشتاق إلى يافا كما يشتاق العطشان إلى أول قطرة ماء. أشتاق إلى طرقاتها الترابية التي كانت تلتصق بأحذيتنا فنغضب منها، ولم نكن نعلم أننا سنقضي أعماراً نحلم بحفنةٍ من ذلك التراب. أشتاق إلى أشجار الزيتون التي كانت تقف على التلال كحراسٍ قدماء، وإلى رائحة الحطب في ليالي الشتاء، وإلى أصوات الجيران التي كانت تتسلل من النوافذ المفتوحة فتجعل القرية بيتاً واحد.

لكنّ شوقي لا يقف عند حدود القرية والبيت والطفولة، ثمة وجعٌ آخر يسكنني.

كلما سمعت اسم القدس شعرت أن شيئاً في روحي يرتجف. كأن بيني وبين الأقصى عهداً قديماً لم أستطع الوفاء به. أراه في الصور محاصراً بالجنود والأسلاك، فأشعر أنني أنا المحاصر، وأن الأسوار قد أُقيمت حول قلبي لا حوله.

كم مرةٍ تمنيت أن أصلي هناك، أن أضع جبيني على حجارةٍ باركها التاريخ والأنبياء، أن أسمع أذان الفجر يتردد في ساحاته، وأن أمشي تحت ظلال قبابه دون أن يرافقني هذا الشعور الثقيل بالعجز.

أتعلم ما يؤلمني أكثر؟

أن الغربة تُعلّم الإنسان كيف يفتقد الأشياء الصغيرة. فأنا لا أشتاق إلى المدن وحدها، ولكن إلى التفاصيل التي كانت تبدو عادية. إلى فنجان القهوة على شرفة البيت، إلى صوت المطر على السقف، إلى الطريق الذي كنت أسلكه بلا اكتراث، إلى الوجوه التي كنت أراها كل يوم حتى ظننت أنها لن تغيب أبداً.

هنا كل شيء جميل ومنظم، لكن لا شيء يشبهني.

كأنني شجرة اقتُلعت من تربتها، ثم زُرعت في أرضٍ أخرى. قد تبقى واقفة، وقد تثمر أحياناً، لكنها تعرف في أعماق جذورها أنها ليست في مكانها الأول.

أخبرني يا صديقي، هل ما زالت الريح تمر بين الجبال في بلادي كما كانت؟ هل ما زال المساء يهبط على القرى بهدوء الرعاة العائدين؟ وهل ما زالت القدس ترفع قبابها نحو السماء كما لو أنها تعلم أن ملايين القلوب معلقة بها؟

إن كان لديك جواب، فأرسله سريعاً؛
فقد أثقلتني المسافات.

صديقك المشتاق..

****

أخي البعيد القريب،

وصلتني رسالتك، وما إن قرأت سطورها حتى شعرت أن الحنين قد جلس إلى جواري يقرأ معي، لكن دعني أخبرك بشيءٍ ربما نسيته الغربة.

أنت تشتاق إلى عكّا، وحيفا، ويافا نعم، غير أنّ فلسطين كلّها أيضاً تشتاق إليك.

تلك التلال التي كنت تركض فوقها لم تنس وقع قدميك. وأشجار الزيتون التي كنت تستظل بها ما زالت تحفظ أسرارك في جذوعها. والطرقات التي عبرتها آلاف المرات ما زالت تنتظر ظلك عند المنعطفات.

الأماكن يا صديقي ليست حجارةً صامتة كما نظن؛ الأماكن تحفظ أبناءها.

وكل أرضٍ أحببناها تظل تنادي أسماءنا ولو بعد ألف غياب.

أما الأقصى الذي تحزن لبعده، فاعلم أنه ليس وحيداً كما تتخيل. فكل قلبٍ يذكره هو نافذة نورٍ تُفتح في أسواره. وكل دعاءٍ يخرج من صدر مشتاق يصل إليه قبل أن يصل إلى السماء.

لا تقل إنك خذلته لأنك بعيد؛ فالاشتياق نفسه نوعٌ من الحضور.

وأنا أتصور الأقصى الآن واقفاً في ضوء الفجر، يحدّق في الجهات الأربع، ينتظر أبناءه كما ينتظر الأب أبناءه المسافرين. كأن قبابه الذهبية تقول لكل غائب: ما زال مكانك محفوظاً.

أما غزة…

فغزة حكاية أخرى..

هناك، حيث البحر يجاور الحزن منذ عقود، ما زالت الأمواج تكتب أسماء العائدين على الرمل ثم تمحوها لتعيد كتابتها من جديد.

بحر غزة ينتظرك أيضاً..

ينتظر خطاك على شاطئه، وصوتك بين أمواجه، ونظرتك الأولى حين تلتقي زرقة الماء بزرقة السماء.

كل موجةٍ هناك تحمل وعداً بالرجوع، وكل نسمةٍ تخرج من البحر تشبه رسالةً قصيرة تقول: تأخرتم، لكننا ما زلنا هنا.

فلا تجعل الغربة تقنعك أنك انقطعت عن أرضك، الحقيقة أن بينك وبينها خيطاً لا تراه العين.

يمتد من قلبك إلى عكّا، ومن عكّا إلى القدس، ومن القدس إلى غزة، ثم يعود إليك محمّلاً برائحة التراب وصوت المآذن وملح البحر.

ستطول المسافات أحياناً، لكن الأوطان الحقيقية لا تغادر أهلها؛ هي تسكنهم كما يسكنونها.

وما دام الشوق حيّاً في صدرك، فاعلم أن الطريق إلى الديار لم يُغلق بعد.

صديقك الغريب في الدّيار


 

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 23 يونيو 2026
السلطات ترفع درجة التأهب إلى "التحذير الأحمر" لأول مرة هذا الصيف.. في خطوةٍ استثنائيةٍ تعكس خطورة الوضع الجوي، أصدرت السلطات البريطانية أعلى مستوى تحذيري لمناطق واسعة في إنجلترا وويلز، وسط توقعاتٍ رسميةٍ بملامسة درجات الحرارة حاجز الـ 40 مئوية؛ وهو…
𝕏 @alarabinuk · 23 يونيو 2026
📌بريطانيا تحت وطأة الحرارة الشديدة تستعد بريطانيا لأيام من الاضطرابات الكبيرة في شبكة السكك الحديدية مع اجتياح موجة حر استثنائية يُتوقع أن ترفع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، ما دفع مشغلي القطارات إلى تقليص الخدمات وإلغاء مئات الرحلات، وسط تحذيرات…
𝕏 @alarabinuk · 23 يونيو 2026
R to @AlARABINUK: التفاصيل الكاملة في الرابط : https://alarabinuk.com/?p=232418
𝕏 @alarabinuk · 23 يونيو 2026
📰 زلزال سياسي تهتز له بريطانيا… بين دموع ستارمر وتاج بيرنام.. كيف علقت الصحف البريطانية الصادرة اليوم على السقوط المدوي لرئيس الوزراء؟ #العرب_في_بريطانيا #AUK
عرض المزيد على X ←