أن تكون إنسانًا أولًا.. كيف نتجاوز العِرق واللون والشكل؟
قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].
لا زيادة على كلام الله
وقال رسول الله ﷺ: «إِنّ اللّه لا ينظر إِلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إِلى قلوبكم وأعمالكم». رواه مسلم.
لا بدّ أن نعي تماماً أنّ قيمة الإنسان عند الله لا تُقاس بجمال مظهره، أو لون بشرته، أو ما يملكه من مال، وإنما بما يحمله قلبه من صدق وإخلاص، وما تعكسه أعماله من خير وعدل ورحمة. وهو تذكير بأن المظاهر لا تصلح ميزانًا للحكم على الناس، وأن جوهر الإنسان أعمق من صورته الخارجية.
ثمة أشياء كثيرة يولد الإنسان من دون أن يختارها؛ لون بشرته، وملامح وجهه، واللغة التي ينطق بها أولى كلماته، والأرض التي تفتح عينيه عليها للمرة الأولى.
يولد فيجد نفسه محاطًا بهوية لم يصنعها، وانتماء لم يقرره، وملامح قد تصبح، في أعين الآخرين، سببًا للحكم عليه قبل أن ينطق بكلمة واحدة.
ومع ذلك، يمضي بعض الناس أعمارهم في محاكمة الآخرين على أشياء لم يختاروها، وكأن الإنسان مسؤول عن لون بشرته، أو شكل أنفه، أو اسم عائلته، أو المكان الذي جاء منه إلى هذا العالم.
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية: حين ينسى الإنسان إنسانيته، وينشغل بتصنيف إنسان آخر.
حين تصبح الملامح سجنًا
كم من إنسانٍ طيّب القلب أُسيء إليه لأن بشرته لم توافق ذائقة مجتمع، وكم من عقلٍ لامعٍ جرى تجاهله لأن صاحبه لم يحمل الملامح التي اعتاد الناس أن يربطوها بالجمال أو المكانة أو التفوق! وكم من طفلٍ تعلّم، في سنواته الأولى، أن يخجل من لون يديه، أو من تجاعيد وجهه، أو من لهجته، لأن أحدهم أقنعه بأن الاختلاف نقص، وأن التشابه فضيلة!
إن العنصرية لا تبدأ دائمًا بالصراخ أو الكراهية الصريحة؛ فقد تبدأ بنكتة عابرة، أو نظرة استعلاء، أو تعليق صغير يُلقى على مائدة الطعام، ثم يُبرَّر بعبارة: «نحن نمزح فقط». لكنها تترك في النفس ما لا تتركه الكلمات العابرة في ظاهرها؛ تزرع بذرة الشك في قيمة الذات، وتجعل الإنسان يرى نفسه من خلال عيون الآخرين، بدلًا من أن يكتشفها بعينيه.
وما أقسى أن يقضي المرء عمره محاولًا إثبات أنه يستحق الاحترام، بينما لا يحتاج الاحترام الحقيقي إلى شهادة ميلاد، ولا إلى لون بشرة، ولا إلى ملامح متناسقة.
الإنسان أكبر من صورته
ليست المشكلة في أن نلاحظ اختلافاتنا؛ فالاختلاف حقيقة جميلة، ولا يحتاج العالم إلى نسخ متشابهة من البشر، المشكلة أن نحوّل هذا الاختلاف إلى ميزان نقيس به قيمة الآخرين، فنرفع إنسانًا لأن بشرته أفتح، ونخفض آخر لأن بشرته أغمق، ونمنح هذا امتيازًا لأنه ينتمي إلى عرقنا، ونحرم ذاك فرصة لأنه وُلد بعيدًا عن دوائرنا.
جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«يا أيّها النّاس! ألا إنّ ربكم واحد، وإنّ أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى»
إن الوجه ليس سيرة صاحبه، واللون ليس أخلاقه، والعرق ليس مقياس عقله، والجمال الخارجي لا يمنح أحدًا حقًّا إضافيًّا في الحياة.
قد يحمل إنسانٌ ملامح آسرة وقلبًا لا يعرف الرحمة، وقد يأتي آخر بوجهٍ لا يلتفت إليه العابرون، لكنه يملك من النبل ما يجعل حضوره أعمق من حضور أصحاب الوجوه الجميلة. وقد يرتدي أحدهم أفخم الثياب، ويتحدث بأكثر اللغات فصاحة، ثم يعجز عن احترام عاملٍ بسيط، أو عن الإصغاء إلى شخصٍ يخالفه في الأصل واللون والمعتقد.
فأيُّ قيمةٍ لكل ما نملكه، إن كنا نفتقر إلى القدرة على رؤية الإنسان في الإنسان؟
إن الجمال الحقيقي لا يكمن في أن تتشابه الوجوه، يكمن في أن تتسع القلوب للاختلاف، وألا نحتاج إلى أن يشبهنا الآخر حتى نعترف بكرامته.
كيف تتحرر من أحكامك المسبقة؟
أن تكون إنسانًا بعيدًا عن العرق واللون والشكل، لا يعني أن تتظاهر بأنك لا ترى الاختلاف، ولا أن تتخلى عن هويتك أو تنكر انتماءك، هو يعني أن تدرك أن هويتك ليست سُلّمًا تصعد عليه فوق الآخرين، وأن انتماءك ليس تصريحًا يمنحك الحق في الانتقاص من انتماء غيرك.
ابدأ من نفسك، راقب الكلمات التي تستخدمها، والنكات التي تضحكك، والأحكام التي تطلقها قبل أن تعرف الناس.
اسأل نفسك: هل كنت سأحكم على هذا الشخص بالطريقة نفسها لو كان يحمل لونًا آخر؟ هل كنت سأمنحه الفرصة ذاتها لو كان ينتمي إلى بلد مختلف؟ وهل أرى فيه إنسانًا مستقلًّا، أم أختصره في صورة نمطية ورثتها عن مجتمعي؟
ثم تعلّم أن تمنح الناس فرصة الظهور على حقيقتهم، ولا تجعل لونًا يحجب عنك عقلًا، ولا لهجةً تمنعك من سماع فكرة جميلة، ولا مظهرًا يخدعك عن جوهر صاحبه.
اقترب ممن يختلفون عنك، واستمع إلى تجاربهم، واقرأ حكاياتهم، واكتشف كيف يمكن للعالم أن يبدو من نافذة لم تطلّ منها من قبل.
والأهم من ذلك كله، لا تكتفِ بأن تكون غير عنصري في أفكارك، بل كن شجاعًا في مواقفك.
حين تسمع إهانةً بسبب اللون أو الأصل، لا تجعل صمتك غطاءً لها، وحين ترى إنسانًا يُستبعد بسبب مظهره، تذكّر أن العدالة لا تتحقق بمجرد ألا نظلم أحدًا بأيدينا، تتحقّق أيضًا بألا نترك الظلم يمضي أمامنا وكأنه أمرٌ طبيعي.
فالإنسانية سلوك نختبر صدقه حين يكون الدفاع عن كرامة الآخر أكثر كلفة من الصمت.
أن ترى نفسك في وجه الغريب
تخيّل لو أن العالم استيقظ ذات صباح، فاختفت الألوان من الوجوه، وتبدّلت الملامح بين الشعوب، وأصبح كل واحدٍ منا غريبًا عن الصورة التي اعتادها، هل كنا سنعيد توزيع المحبة والاحترام بحسب الملامح الجديدة؟ أم كنا سنكتشف، متأخرين، أن ما يجمعنا أعمق بكثير مما يفرّقنا؟
نحن جميعًا نعرف الخوف، وإن اختلفت لغاتنا في تسميته. نعرف وجع الفقد، وحاجة القلب إلى الأمان، وفرحة أن نجد من يفهمنا دون أن نضطر إلى شرح كل شيء. نبكي بالدموع نفسها، ونحلم بحياة أكثر رحمة، ونبحث عن يدٍ تمتد إلينا حين تضيق الطرق.
فما الذي يجعل ألم إنسانٍ جديرًا بالتعاطف، وألم آخر أقل استحقاقًا له؟ وما الذي يجعل دمعةً أكثر قيمة من دمعة، لمجرد أن صاحبها ينتمي إلى لون أو عرق أو وطن مختلف؟
إن المأساة في قدرتك البشر على رؤية ألم بعضهم بعضًا ثم اختيار اللامبالاة.
ليس مطلوبًا منك أن تحب الجميع بالدرجة نفسها، ولا أن تتفق مع كل فكرة أو سلوك، لكن المطلوب ألّا تجعل اختلافك مع إنسان سببًا لانتزاع حقه في الكرامة والعدل والاحترام.
امتحان الإنسانية
في نهاية المطاف، لن يكون أعظم ما حققته في حياتك لون بشرتك، ولا جمال وجهك، ولا العائلة التي تنتمي إليها، ولا الامتيازات التي ورثتها عن مجتمعك. سيبقى الأثر الذي تركته في نفوس الآخرين، والطريقة التي عاملت بها من لا يستطيع أن يمنحك منفعة، والموقف الذي اتخذته حين كان بإمكانك أن تتعالى فاخترت التواضع، وأن تقصي فاخترت الإنصاف، وأن تجرح فاخترت الرحمة.
لا أحد يختار ملامحه حين يولد، لكن كل إنسان يستطيع أن يختار ماذا يفعل بقلبه وعقله. قد لا نملك تغيير الصور التي يرسمها الناس عنا، لكننا نملك ألّا نسمح لتلك الصور بأن تحدد قيمتنا، وألّا نعيد إنتاج القسوة ذاتها مع أشخاص آخرين.
كن إنسانًا لا يحتاج إلى تصغير أحد كي يشعر بكبره، ولا إلى تشويه صورة الآخر كي تبدو صورته أجمل، ولا إلى إثبات تفوق جماعته كي يشعر بقيمة وجوده.
تذكّر دائمًا أن لونك ليس إنجازك، وأن ملامحك ليست فضيلتك، وأن أصلك ليس دليلًا على سموّك. ما يرفع الإنسان حقًّا هو ما يصنعه بوعيه، وما يحمله من رحمة، وما يتركه من عدل في حياة من يلتقي بهم.
وحين تصل إلى تلك المرحلة التي تستطيع فيها أن تنظر إلى وجهٍ مختلف عن وجهك، فلا ترى فيه تهديدًا ولا منافسًا ولا كائنًا أقل منك، بل ترى إنسانًا له حكاية وكرامة وحق في الحياة؛ عندها فقط تبدأ بالتخلّص من قيود الأحكام المسبقة.
فالعالم لا يحتاج إلى بشرٍ يتشابهون في ألوانهم وملامحهم، بقدر ما يحتاج إلى بشرٍ يتشابهون في احترامهم لإنسانية بعضهم بعضًا.
وربما كان أجمل ما يمكن أن يبلغه المرء في رحلته هذه، أن يصبح قلبه مكانًا لا يحتاج فيه أحد إلى تغيير لونه، أو إخفاء ملامحه، أو الاعتذار عن أصله، كي يشعر بأنه يستحق أن يكون إنسانًا.
الرابط المختصر هنا ⬇


