العرب في بريطانيا | خصومةٌ رُفعت إلى السماء

خصومةٌ رُفعت إلى السماء

خصومةٌ رُفعت إلى السماء

خصومةٌ رُفعت إلى السماء

أميرة عليان تبلو أكتوبر 11, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

«تركتكم خصومًا إلى الله… فحاربوه إن استطعتم!»

كنتُ في الحافلة، أمضي في طريقي كأيّ عابرةٍ أنهكها الطريق، حين وقعت عيناي على عبارةٍ استوقفتني عن المضيّ، وانتزعتني من ضجيج المكان إلى ضجيجٍ آخر يسكن الروح:

«تركتكم خصومًا إلى الله، فجودوا وحاربوه إن استطعتم».

قرأتها مرّةً، ثم أعدت قراءتها، وكأنّ الكلمات أنينُ قلبٍ بلغ من الوجع مبلغًا لم يعد معه للعتاب متّسع، ولا للشكوى إلى البشر جدوى. لم أستطع أن أعبر عنها مرور الكرام؛ فثمة عباراتٌ تشعر أنّ وراءها حكايةً ثقيلةً من الظلم، وأنّ كاتبتها لم تضع قلمها على الورق إلا بعدما استنفدت كلّ ما في صدرها من احتمالات الصبر.

فما الذي يمكن أن يفعله الإنسان بأخيه الإنسان حتى يدفعه إلى أن يتركه خصيمًا إلى الله؟ أيُّ ظلمٍ هذا الذي يجعل المظلوم يُدير ظهره للعالم، ويكفّ عن المطالبة بحقّه أمام أبوابٍ أُغلقت في وجهه، ثم يرفع قضيّته إلى مَن لا تخفى عليه خافية؟ وأيُّ قهرٍ يجعل الإنسان يصل إلى مرحلةٍ لا يعود فيها يريد تفسيرًا، ولا اعتذارًا، ولا حتى انتصارًا بالمعنى الذي يعرفه الناس، بل يكتفي بأن يقول: بيني وبينك ربٌّ يعلم ما فعلت؟

حين تصبح الشكوى إلى الله

لعلّنا لا ندرك حجم الألم الذي يسبق هذه العبارة؛ فقد تكون صاحبة هذه الكلمات قد طرقت أبوابًا كثيرةً، وروت حكايتها مرارًا، وحاولت أن تُثبت أنّها مظلومة، لكنّها وجدت نفسها في كلّ مرّةٍ مضطرّةً إلى الدفاع عن جرحها بدلًا من أن تجد مَن يداويه. وربّما رأت ظالمها يمشي مطمئنًّا، يضحك ويصافح ويعيش حياته، بينما تقضي هي لياليها في محاولة ترميم ما تهدّم في داخلها.

إنّ أقسى ما في الظلم أن تُجبَر على مشاهدة مَن ظلمك يتصرّف كأنّه صاحب الحقّ، وأن تتحوّلي من ضحيّةٍ إلى متّهمة، ومن صاحبة شكوى إلى امرأةٍ مطالبةٍ بتبرير وجعها. هناك، يصبح الصمت أبلغ من الكلام، ويغدو الانسحاب أكرم من الوقوف طويلًا أمام ضمائر اختارت ألّا تستيقظ.

وهنا يأتي ذلك اليقين الذي يُبقي في القلب نافذةً مفتوحةً حين تُغلق النوافذ كلّها: الله.

عدالةٌ لا تحتاج إلى شهود

ما أعظم أن تعلم المظلومة أنّ لها ربًّا لا يحتاج إلى شهودٍ كي يعرف الحقيقة، ولا إلى تسجيلاتٍ كي يسمع ما قيل في غيابها، ولا إلى اعترافاتٍ كي يدرك ما أخفته الوجوه خلف ابتساماتها.

الله يعلم الرجفة التي صاحبت صوتكِ حين عجزتِ عن الدفاع عن نفسكِ، والدمعة التي مسحتِها خفيةً كي لا يراكِ أحد، والكلمة التي ابتلعتِها لأنّكِ أدركتِ أنّ بعض الناس لا يريدون سماع الحقيقة، بل يريدون إسكاتها.

ولعلّ أجمل ما في اللجوء إلى الله أنّكِ لا تحتاجين إلى محامٍ يُتقن المرافعة، ولا إلى لسانٍ بليغٍ يُحسن ترتيب الوقائع، ولا إلى قوّةٍ تُرهب خصمكِ؛ أنتِ تقفين بين يدي مَن يعلم السرّ وأخفى، وتضعين بين يديه ما عجزتِ عن حمله وحدكِ. فهو سبحانه الحكم العدل، الذي لا يظلم مثقال ذرّة، ولا تضيع عنده حقوق العباد، وإن تأخّر ظهور الحقّ في الدنيا.

الإمهال ليس نسيانًا

لكنّ العدالة الإلهيّة ليست سيفًا نحدّد نحن موعد سقوطه، ولا عقوبةً نرسم شكلها وفق رغباتنا؛ قد يُمهل الله الظالم، وقد تتأخّر عاقبة ظلمه، وقد لا نرى بأعيننا كيف تُردّ الحقوق. غير أنّ تأخّر الحساب ليس نسيانًا، وغياب العقوبة ليس براءةً، وما يملكه الإنسان من نفوذٍ لا يمنحه سلطةً على حكم الله.

فما أشدّ غفلة الإنسان حين يظنّ أنّه انتصر لأنّه استطاع أن يُسكت المظلوم! وما أضيق أفقه حين يحسب أنّ الحقّ يموت بموت أصحابه، أو يُدفن برحيلهم، أو يُمحى لأنّ أحدًا لم يعد يطالب به.

إنّ للحقوق عند الله شأنًا آخر، وللدموع التي ذُرفت ظلمًا حسابًا لا نحيط نحن بتفاصيله، وللقلوب التي كُسرت بغير حقّ ربًّا يعلم ما أصابها.

ألّا نصبح أسرى للانتقام

ومع ذلك، فإنّ ترك الخصومة إلى الله لا يعني أن تتحوّلي إلى أسيرةٍ للانتقام، ولا أن تقضي عمركِ مترقّبةً سقوط خصمكِ؛ فلعلّ أعظم انتصارٍ تحقّقينه هو أن تنجي بنفسكِ من أن تصبحي شبيهةً بمن ظلمكِ، وأن ترفضي أن تمنحي الإساءة بقيّة عمركِ، وأن تمضي في حياتكِ من دون أن تسمحي للجرح بأن يُفسد قلبكِ.

فليس كلّ صمتٍ عجزًا، ولا كلّ ابتعادٍ هزيمةً، ولا كلّ تنازلٍ عن ملاحقة الخصم استسلامًا.

أحيانًا تُدرك المرأة أنّ روحها أثمن من معركةٍ لا تنتهي، وأنّ بعض القضايا لا تستحقّ أن تخسر في سبيلها سلامها الداخليّ، فتسلّم أمرها إلى الله، وتأخذ بالأسباب التي تستطيعها، وتترك ما عجزت عنه لربٍّ لا يعجزه شيء.

ما الذي ارتكبتَه؟

عدتُ إلى العبارة وأنا في الحافلة، وفكّرتُ في أنّ المأساة ليست في أن تقول امرأةٌ لرجلٍ، أو يقول إنسانٌ لآخر: «تركتك خصيمًا إلى الله»؛ المأساة في أن يكون هناك مَن دفعه إلى قولها.

ما الذي ارتكبتَه حتى لم يعد في قلب مَن آذيتَها مكانٌ للعتاب؟ كم من مرّةٍ كسرتَ خاطرًا، أو سلبتَ حقًّا، أو استغللتَ ضعفًا، ثم مضيتَ مطمئنًّا لأنّ صاحبة الوجع اختارت أن تترك الكلام فقط؟

قبل أن تظلموا أحدًا، تذكّروا أنّ الناس قد يعجزون عن ردّ الأذى، لكنّ عجزهم لا يجعل الأذى حقًّا، وأنّ الصمت لا يعني النسيان، وأنّ المظلومة قد ترحل من دون أن تسمعوا منها كلمةً أخرى، لكنّكم لن تستطيعوا أن تمحوا من الحقيقة ما حدث.

فإذا قالت لك امرأةٌ: «تركتك إلى الله»، فلا تتعامل مع العبارة بوصفها هزيمةً لها. قف أمام نفسك واسأل: أيُّ وجعٍ صنعتُ حتى أصبح الله ملاذًا لمن آذيتُها؟ وأيُّ حقٍّ سلبتُ حتى آثرت صاحبته أن ترفع قضيّتها إلى ربّ الحقوق؟

ولعلّ أشدّ ما ينبغي أن تخشاه النفس أن تلتقي الله وفي ذمّتها حقٌّ لامرأةٍ استهانت بوجعها، وظنّت أنّ قوّتها ستحميها إلى الأبد.

أما أنا، فما زلت أرى تلك العبارة أبعد من كونها كلماتٍ عابرة؛ أراها آخر ما تقوله امرأةٌ أنهكها الانتظار، وصرخة روحٍ اختارت أن تضع وجعها عند باب السماء، بعدما ضاقت بها أبواب الأرض.

«تركتكم خصومًا إلى الله، فجودوا، وحاربوه إن استطعتم».

عبارةٌ تختصر حكاية المظلومة حين تتعب من ملاحقة حقّها، وتذكّر الظالم بأنّ فوق قوّته عدلًا، وفوق أحكام البشر حكمًا، وأنّ الله لا ينسى وإن نسي الناس، ولا يضيع عنده حقّ، وإن ضاعت في الأرض ألف حكاية.

اترك تعليقا

↑