بجانب العقرب لا تقترب، وبجوار الحيّة افترش الأرض ونَم! (من أقوال جدّي)
قال لي جدّي يومًا: “بجانب العقرب لا تقترب، وبجوار الحيّة افترش الأرض ونَم”.
لم أفهم يومها ما الذي أراد أن يعلّمني إيّاه من هذه العبارة، ولا أدركتُ كيف يكون النوم بجوار الحيّة أهون من الاقتراب من العقرب، حتى علّمتني الحياة أن الخطر ليس دائمًا فيما تراه العين، وأن بعض السموم لا تسكن الأجساد، فهي تتخفّى في النفوس، وأن بعض الأذى لا يأتيك من عدوٍّ يرفع في وجهك أنيابه، فقد يأتيك من قريبٍ يُخفي في ابتسامته ما لا تُظهره أشدُّ الوجوه عبوسًا.
كبرتُ، وكبرت معي الحكايات، واكتشفتُ أن جدّي لم يكن يحدّثني عن كائناتٍ تزحف على الأرض بقدر ما كان يحدّثني عن طبائع البشر؛ عن أولئك الذين تعرف خطرهم، فتأمن جانبهم، وأولئك الذين تجهل ما تُخفي صدورهم، فتظلّ حذرًا حتى وأنت تضحك في حضرتهم.
فالحيّة، مهما أحسنت التخفّي بين الأعشاب، لا تُغيّر طبيعتها، والعقرب، مهما صغر حجمها، لا تحتاج إلى أن تُعلن عن سمّها كي تُوجعك. لكلٍّ منهما طريقته في الأذى، ولكلٍّ منهما علامةٌ يهتدي بها العاقل إن أراد النجاة، لكنّ المصيبة حين يكون السمّ في إنسانٍ لا تعرف من أمره إلا الكلام الجميل، وحين يصبح الأذى مغلّفًا بالمودّة، والغدرُ متدثّرًا بثوب الوفاء.
إنّ أشدّ ما يؤلم الإنسان أن يُؤذى من حيث اطمأنّ، وأن يُطعَن من الجهة التي ظنّها يومًا ملاذًا آمنًا.
نحن لا نخشى الذئب حين نراه يعوي في البرّيّة، ولكن نحذر من الذي يُحسن تقمّص هيئة الحمل، ويُحدّثنا عن الرحمة فيما يُضمر لنا الافتراس، ولا نرتاب كثيرًا من يدٍ تمتدّ إلينا بالعداء، فعداوتها واضحة، أمّا اليد التي تربّت على أكتافنا، وتُخفي خلف ظهرها حجرًا، فتلك حكايةٌ أخرى من حكايات الخذلان.
ولعلّ الحكمة التي أرادها جدّي أعمق من مجرّد الحذر؛ فليس كلّ ما نخشاه يستحقّ خوفنا، وليس كلّ ما نألفه جديرًا بثقتنا، هناك عدوٌّ واضحٌ تستطيع أن تتّقي شرّه، وهناك صديقٌ يتركك مكشوفًا أمام الحياة، ثم يمضي كأنّ شيئًا لم يكن، وهناك من يُصارحك بكرهه، فيمنحك فرصة الاستعداد، ومن يُغرقك في الوعود، حتى إذا أمنتَ إليه، تركك وحدك في منتصف الطريق.
وما أكثر الذين تعلّموا هذه الحقيقة بعد فوات الأوان! منحوا قلوبهم لمن لا يستحقّ، وأودعوا أسرارهم في صدورٍ ضيّقة، وأحسنوا الظنّ حتى ظنّوا أنّ طيبة قلوبهم كفيلةٌ بتغيير طبائع الآخرين، نسوا أنّ الماء العذب لا يُحوّل الصخر إلى تراب، وأنّ الشمس، على سعة نورها، لا تستطيع أن تُقنع الليل بالبقاء نهارًا.
ليس المطلوب أن نعيش مرتابين من الجميع، ولا أن نُغلق أبواب قلوبنا في وجه كلّ عابر، فالحياة لا تستقيم بلا ثقة، ولا يطيب العيش من دون مودة، لكنّ الحكمة أن نُحسن اختيار من نُقرّب، وأن نمنح الناس من الثقة بقدر ما تكشفه أفعالهم، لا بقدر ما تُتقنه ألسنتهم، فالكلمات قد تُزيّن الكذب، أمّا المواقف فتجرّده من ثيابه.
وليس كلّ ابتعادٍ جفاءً، ولا كلّ صمتٍ ضعفًا، ولا كلّ تسامحٍ دعوةً لتكرار الأذى، أحيانًا تكون النجاة في خطوةٍ إلى الوراء، وفي بابٍ نُغلقه بهدوء، وفي علاقةٍ نتركها تموت من دون أن نُقيم لها جنازةً من العتاب؛ فبعض المعارك لا تستحقّ أن نخوضها، وبعض الوجوه لا تستحقّ أن نُرهق أرواحنا في محاولة فهمها، وبعض السموم لا علاج لها إلا ألّا نسمح لها بالاقتراب.
لقد علّمتني الأيام أنّ الإنسان لا يُلام إن جهل حقيقة أحدهم في البداية، لكنه قد يظلم نفسه إن رأى الحقيقة مرارًا، ثم أصرّ على إنكارها خوفًا من خسارة شخصٍ اعتاد وجوده. فما قيمة القرب إذا كان يُكلّفك طمأنينتك؟ وما جدوى علاقةٍ تُبقيك دائمًا في موضع الدفاع عن قلبك، كأنّك متّهمٌ في محكمةٍ لا تنتهي جلساتها؟
حفظ الله جدّي، فقد وضع في عبارةٍ قصيرة ما احتجتُ إلى أعوامٍ طويلة لأفهمه، لم يكن يدعوني إلى الخوف من الحيّات والعقارب، كان يعلّمني ألّا أخلط بين وضوح الخطر وخفاء الأذى، وألّا أطمئنّ إلى المظاهر قبل أن أختبر المعادن.
فبجانب العقرب لا تقترب، لأنّك تعرف ما تستطيع أن تفعله بك؛ أمّا بجوار الحيّة، فلا تنخدع بسكونها، ولا تنَم قبل أن تعرف أأنت في مأمنٍ منها أم أنّها تنتظر غفلتك.
وهكذا هي الحياة؛ لا تمنحنا الحكمة دائمًا في هيئة كتابٍ نقرؤه، قد تُخبّئها في جملةٍ يقولها جدٌّ عابر، ثم تتركنا نمضي سنواتٍ حتى نفهمها. وعندها ندرك أنّ بعض الوصايا لا تشيخ، وأنّ الذين خبروا الدنيا لم يكونوا يبالغون في تحذيراتهم، كانوا يختصرون لنا وجعًا تمنّوا ألّا نعيشه.
فاللهم بصيرةً تُمكّننا من رؤية ما وراء الوجوه، وحكمةً تردعنا عن الاقتراب ممّا يؤذينا، وقلوبًا طيّبةً لا تفقد طيبتها، وإن تعلّمت كيف تحمي نفسها. آمين.
الرابط المختصر هنا ⬇


