العرب في بريطانيا | علامةٌ صغيرة للقاء كبير

علامةٌ صغيرة للقاء كبير

علامةٌ صغيرة للقاء كبير
أميرة عليان تبلو أكتوبر 9, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

أحيانًا، يرسل الله إليك إشارةً صغيرة، تبدو في عينيك عابرةً لا تستحق التوقف عندها، بينما تكون في علم الله بدايةَ طريقٍ كامل.

 قد تكون كلمةً سمعتها مصادفة، أو شخصًا التقيته في وقتٍ لم يكن في حساباتك، أو بابًا أُغلق في وجهك فاضطررت إلى سلوك طريقٍ آخر، أو أمرًا تأخر حتى ظننت أن نصيبك منه قد ضاع. ثم تمضي الأيام، وتكتشف أن ذلك الشيء الذي حسبته عابرًا كان يقودك، دون أن تدري، إلى المكان الذي أراد الله لك أن تصل إليه.

 ولعل أجمل ما يعلّمنا هذا المعنى قصة موسى عليه السلام حين خرج في رحلة البحث عن العبد الصالح الذي آتاه الله علمًا.

 لم يكن موسى يعرف أين سيلتقي الخضر، ولم تكن أمامه خريطةٌ واضحة، ولا طريقٌ مرسومٌ بتفاصيله. كان لديه مقصد، وكان عليه أن يمضي.

 ثم جاء الحوت، ذلك الحوت الذي ظنّه من معه طعامًا، كان في الحقيقة علامة الطريق.

 قال تعالى:

**﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ۝ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾.

 كان الحوت هو العلامة التي لم يفهموا معناها في اللحظة الأولى، وهكذا هي بعض إشارات الله في حياتنا.

 لا تأتي دائمًا على هيئة معجزةٍ تهتف في وجهك: «هذا هو الطريق».

 قد تأتي هادئةً جدًا، قد تأتي في صورة تأخير، أو لقاء، أو صدفة، أو كلمة، أو خاطرٍ يتكرر في قلبك، أو بابٍ يُفتح بعد أن أغلقت في وجهك أبوابٌ كثيرة.

 وقد يأتيك الشيء الذي تبحث عنه من طريقٍ لم تكن تظن يومًا أنك ستسلكه.

 نحن كثيرًا ما نطلب من الله أن يدلنا على الطريق، ثم حين يدلنا، نبحث عن علامةٍ أكبر؛ لأننا اعتدنا أن نظن أن قدر الله لا بد أن يأتي بصورةٍ صاخبة حتى نصدقه.

 لكن الله قد يضع لك «حوتك» في أبسط الأشياء.

 شيئًا صغيرًا، لا تلتفت إليه أول الأمر، ثم تكتشف بعد سنوات أنه كان أول خيطٍ في الحكاية كلها.

 وربما كان الشخص الذي ظننته عابرًا في حياتك هو الذي سيقودك إلى مرحلةٍ جديدة، وربما كان الرفض الذي أبكاك هو الذي أنقذك من طريقٍ لم يكن لك، وربما كان التأخير الذي أوجع قلبك هو الذي منحك وقتًا حتى تنضج لما كنت تسأل الله الوصول إليه.

 نحن نرى اللحظة، والله يرى الحكاية، نحن نرى الحوت وقد خرج عن مساره، والله يرى الطريق الذي سيسلكه موسى بعده.

 نحن نقف عند الباب المغلق ونحزن، والله يعلم إلى أي بابٍ آخر سيقودنا إغلاقه.

 لذلك، لا تحتقر الإشارات الصغيرة في حياتك؛ فليس كل ما يحدث حولك عشوائيًا، وإن كان لا يجوز لنا أن نجزم أن كل حادثةٍ بعينها رسالةٌ من الله أو أن نفسر الغيب على أهوائنا. لكن المؤمن يتعلم أن ينظر في الأحداث بعينٍ أكثر هدوءًا، وأن يسأل: ماذا يريد الله أن يعلّمني من هذا؟ وإلى أين يمكن أن يقودني هذا الطريق؟

 قد يكون «حوتك» رسالةً قرأتها اليوم، وقد يكون إنسانًا التقيته مصادفة، وقد يكون بابًا أُغلق في وجهك، وقد يكون رغبةً تأخرت، وقد يكون طريقًا لم تخطط له أصلًا.

 فلا تستعجل فهم الحكاية وأنت لا تزال في منتصفها.

 كم من أمرٍ أبكانا في بدايته، ثم حمدنا الله عليه في نهايته.

 وكم من طريقٍ ظنناه التفافًا، ثم اكتشفنا أنه كان أقصر الطرق إلى ما كتب الله لنا.

 وكم من حوتٍ ظنناه فقدًا، فإذا به علامة الوصول.

 لذلك، إذا وجدت نفسك اليوم في طريقٍ لا تفهمه تمامًا، فلا تيأس.

 امضِ ما دمت تسأل الله الهداية، واستعن به، وخذ بالأسباب، ولا تتعلق بتفسيرٍ واحدٍ لكل ما يحدث لك.

 فربما كانت هناك أشياء تجري الآن أمام عينيك، ولن تعرف معناها إلا بعد أن تصل.

 وعندها فقط، ستلتفت إلى الوراء وتقول:

الآن فهمت لماذا حدث ذلك.

 ستعرف أن الله لم يكن يضيّعك حين ضللت عن الطريق الذي رسمته لنفسك، بل كان يقودك إلى طريقٍ لم تكن تعرفه،

وأن بعض ما حسبته ضياعًا، كان إرشادًا، وبعض ما حسبته نهايةً، كان بداية، وبعض ما حسبته صدفةً، كان سببًا ساقه الله إلى حياتك، وربما كان لك، كما كان لموسى، حوتٌ في الطريق…

 علامةٌ صغيرة قادتك إلى لقاءٍ كبير، وإلى فصلٍ جديد لم تكن تعرف أنه كُتب لك.


 

 

اترك تعليقا

↑