العرب في بريطانيا | عندما تُباع المعرفة.. من أين تبدأ الرسالة؟

عندما تُباع المعرفة… من أين تبدأ الرسالة؟

عندما تُباع المعرفة… من أين تبدأ الرسالة؟

عندما تُباع المعرفة… من أين تبدأ الرسالة؟

أميرة عليان تبلو أكتوبر 3, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

من حقك أن تختار الإنسان الذي تريد أن تكونه، وأن تبني لنفسك اسما يسبقك، وسمعة تفتح لك الأبواب، وأن تجعل من علمك وخبرتك وتجربتك ومشورتك موردا تعيش منه، فتضع لوقتك ثمنا، ولمعرفتك أجرا، ولما تقدمه للناس قيمة تُدفع.

ومن حقك كذلك أن تقول لمن يقصدك: هذه معرفتي، وهذا جهدي، وهذا الوقت الذي بذلته لأصل إلى ما وصلت إليه، ومن أراد أن ينتفع به فله أن يدفع ثمنه.

ليس في ذلك عيب؛ فالإنسان لا يُلام على أن يعيش من علمه، ولا يُطلب منه أن يمنح سنوات عمره التي أنفقها في التعلم والتجربة مجانا لكل عابر سبيل. وليس كل من أخذ مالا مقابل علمه قد باع رسالته، كما أنه ليس كل من قدم علمه بلا مقابل قد حمل رسالة.

حين تختلط علينا الأسماء

لكن المسألة تبدأ حين تختلط علينا الأسماء.

حين نريد أن يكون ما نقدمه مهنة حين ندفع الفاتورة، ورسالة حين نطلب التصفيق.

نريد أن يكون الذين يقصدوننا زبائن حين يتعلق الأمر بالأجر، وأن يكونوا مجتمعا حين يتعلق الأمر بالتقدير، وأن يكون ما نقدمه سلعة حين نحاسب عليه، ورسالة حين نطالب بمكانة أصحاب الرسالات.

وهنا ينبغي أن نتوقف قليلا.

فثمة فرق بين إنسان يقول: هذا علمي، وهذه مهنتي، وهذا ثمن خدمتي، وبين إنسان يقول: هذا علمي، وهذه رسالتي، وهذا همّي الذي أحمله للناس، والمال الذي آخذه ليس إلا وسيلة تعينني على الاستمرار.

كلاهما مشروع، وكلاهما له مكانه، لكنهما ليسا الشيء نفسه.

الأول يمارس مهنة، والثاني يحمل قضية.

الأول يقدم خدمة لمن يستطيع دفع ثمنها، والثاني قد يرى في الإنسان الذي أمامه إنسانا قبل أن يراه عميلا؛ فيأخذ من القادر، ويخفف عن العاجز، وقد يعذر فقيرا، أو يسامح محتاجا، لأنه يعرف أيضا قيمة الرحمة.

قيمة السوق ومكانة الإنسان

وهنا تظهر حقيقة لا تحتاج إلى كثير من الكلام:

ليس كل ما يُقاس بالمال يُقاس بالمكانة.

قد يكون علمك غاليا، وقد تكون خبرتك ثمينة، وقد تستحق أتعابك كاملة، لكن قيمة ما تقدمه في السوق شيء، ومكانتك في وجدان الناس شيء آخر.

فالناس لا ينظرون إلى ما في يدك فقط، وإنما ينظرون إلى الطريقة التي تستخدم بها ما في يدك.

قد يدفع لك شخص مالا كثيرا، ثم يخرج من عندك وهو يشعر أنه اشترى ساعة من وقتك وانتهى الأمر.

وقد يدفع لك شخص آخر المال نفسه، ثم يخرج وهو يشعر أنه وجد إنسانا حمل عنه شيئا من ثقله.

الفارق ليس دائما في مقدار المال، وإنما في المعنى الذي يرافقه.

إن كنت ترى نفسك صاحب مهنة، فهذا حقك.

وإن كنت ترى نفسك صاحب رسالة، فهذا أيضا حقك.

لكن لا تجعل الناس ملزمين بأن يمنحوك صورة صاحب الرسالة بينما أنت تصرّ في كل تفاصيل تعاملك على تقديم نفسك بوصفك صاحب مهنة فحسب.

لا يمكنك أن تختار الثمن وحدك، ثم تختار التقدير وحدك، ثم تختار المكانة التي ينبغي أن يمنحك إياها الناس.

لك أن تحدد قيمة خدمتك، لكن ليس لك أن تحدد قيمة حضورك في قلوبهم.

لك أن تضع سعرا لساعة من وقتك، لكن ليس لك أن تضع سعرا لاحترام الناس لك.

ولك أن تبني اسما في السوق، لكن السمعة التي تبقى في الذاكرة لا تُبنى بالإعلانات وحدها؛ إنما تصنعها المواقف التي لا يراها أحد، والمساعدة التي لم تُصوَّر، والتنازل الذي لم يُعلن، والباب الذي فُتح لإنسان لم يكن قادرا على دفع ثمن الدخول.

هل بقيت مساحة للرحمة؟

ولهذا، ليس عيبا أن تأخذ مالا من الناس.

العيب أن تجعل المال معيار كل شيء، ثم تطلب منهم أن يتعاملوا معك باعتبارك أكبر من ذلك.

وليس عيبا أن تجعل علمك مصدر رزقك، ولكن هل بقي في علمك شيء لا تشتريه النقود؟

هل بقيت مساحة للرحمة؟

هل بقي مكان لمن لا يستطيع الدفع؟

هل تستطيع، حين ترى إنسانا منكسرا أمامك، أن تتذكر أنه إنسان قبل أن يكون عميلا؟

فصاحب الرسالة ليس بالضرورة من يعمل مجانا، ولا صاحب المهنة بالضرورة من يخلو قلبه من الرسالة.

قد يتقاضى صاحب الرسالة أجره كاملا، ثم يسامح هذا تقديرا لظرفه، ويخفف عن ذاك رحمة بحاله، ويمنح ثالثا من وقته لأنه رأى حاجته لا قدرته على الدفع.

وقد يقدم شخص خدماته بلا مقابل، لكنه لا يفعل ذلك إلا بحثا عن الشهرة والتصفيق.

فالرسالة ليست في مجانية العطاء وحدها، وإنما في الروح التي تقف خلفه.

رزقك من مهنتك وأثرك من إنسانيتك

وفي النهاية، لك أن تختار هويتك كما تشاء.

إن شئت أن تكون مهنيا، فكن مهنيا وافتخر بمهنتك.

وإن شئت أن تجعل علمك رسالة، فاجعل للرسالة نصيبا من قلبك قبل أن تجعل لها مكانا في سيرتك الذاتية.

وإن شئت أن تجمع بين الاثنين، فاجعل رزقك من مهنتك، وأثرك من إنسانيتك.

لكن تذكّر دائما:

أنت تملك أن تحدد ثمن ما تقدمه، ولا تملك أن تحدد ثمنك في أعين الناس.

فالأسعار تُكتب على الأوراق، أما المكانة فتُكتب في القلوب.

والأوراق قد تُطوى، والأسعار قد تتغير، والأسماء قد تخفت، لكن الإنسان الذي جعل من علمه نفعا، ومن قدرته رحمة، ومن مهنته بابا للخير… ذلك هو الذي يبقى، حتى بعد أن تنتهي كل الفواتير.

اترك تعليقا

↑