قواعد جديدة لخدمات الدفع المؤجل في بريطانيا: كيف ستؤثر عليك؟
دخلت القواعد الجديدة المنظمة لخدمات “اشترِ الآن وادفع لاحقًا” (Buy Now Pay Later – BNPL) حيز التنفيذ في بريطانيا اعتبارًا من الأربعاء، في خطوة تهدف إلى تعزيز حماية المستهلكين، وإخضاع هذا القطاع لإشراف تنظيمي أكبر.
وتمنح اللوائح الجديدة المتسوقين حقوقًا أوسع، تشمل آليات مستقلة للنظر في الشكاوى وإمكانية المطالبة باسترداد الأموال أو التعويض في بعض الحالات، إلا أن تشديد اختبارات القدرة على السداد قد يحول دون حصول بعض العملاء على التمويل، وهو ما يثير مخاوف من لجوء البعض إلى مصادر اقتراض غير قانونية.
تنظيم خدمات الدفع المؤجل يدخل حيز التنفيذ

اعتبارًا من الأربعاء، أصبح تقديم خدمات “اشترِ الآن وادفع لاحقًا” مقتصرًا على الشركات الحاصلة على ترخيص من هيئة السلوك المالي (FCA)، في إطار يقرب تنظيم هذا القطاع من القواعد المطبقة على البنوك ومزودي بطاقات الائتمان.
وتعد شركتا كلارنا (Klarna) وكلير باي (Clearpay) من أبرز الشركات العاملة في هذا المجال، إذ تتيحان للمستهلكين شراء السلع وسداد قيمتها على أقساط دون فوائد.
ورغم الانتشار الواسع لهذه الخدمات، وصفها ناشطون على مدى سنوات بأنها أشبه بـ**”الغرب المتوحش”**، في إشارة إلى افتقار القطاع لتنظيم شامل.
حقوق إضافية للمستهلكين

تتضمن القواعد الجديدة مجموعة من الضمانات التي تعزز حقوق مستخدمي خدمات BNPL، وتشمل:
- إتاحة إحالة الشكاوى التي لم تُحل إلى خدمة أمين المظالم المالي (FOS) للفصل فيها بصورة مستقلة، فيما تتوقع الهيئة النظر في نحو 2,000 شكوى بحلول نهاية آذار/مارس.
- منح المستهلكين حق المطالبة باسترداد الأموال أو الحصول على تعويض عن السلع المعيبة التي تتجاوز قيمتها 100 باوند من مزود خدمة BNPL، وفقًا لما يعرف بـ*المادة 75″، وهو الحق ذاته المطبق على المشتريات المنفذة ببطاقات الائتمان.
- إلزام الشركات بإجراء تقييم فوري وآلي لقدرة العميل على السداد قبل إتمام كل عملية شراء، مع رفض طلب التمويل إذا لم يجتز العميل هذا التقييم.
- إلزام المقرضين بتقديم معلومات واضحة ومسبقة حول القرض، بما في ذلك ما يترتب على التأخر في السداد، مع توجيه العملاء الذين يواجهون صعوبات مالية إلى خدمات مجانية لتقديم المشورة بشأن الديون.
ويرى المنظمون أن هذه الإجراءات ستحد من إقدام المستهلكين على شراء سلع تتجاوز قدرتهم المالية، وما قد ينجم عن ذلك من تراكم الديون ورسوم التأخير.
تحذيرات من تشديد اختبارات القدرة على السداد

رحبت كايت بيندر، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة فير فور أول فاينانس (Fair4All Finance)، بإخضاع القطاع للتنظيم، لكنها حذرت من أن اختبارات القدرة على السداد قد تحرم شريحة من المستهلكين من الوصول إلى التمويل.
وقالت إن أبحاث المؤسسة أظهرت أن ما يقرب من نصف الأشخاص المرجح رفض طلباتهم لم يسبق لهم التأخر في سداد أي دفعة عبر خدمات BNPL.
وأضافت: “الحاجة إلى الائتمان لا تختفي بمجرد تعذر الحصول عليه، وغالبًا ما يجد الناس أنفسهم مضطرين إلى اللجوء إلى بدائل أكثر تكلفة أو غير خاضعة للتنظيم.”
وقدرت بيندر أن ما بين 10% و30% من مستخدمي خدمات BNPL قد لا يجتازون اختبارات القدرة على السداد، التي يحدد معاييرها كل مزود خدمة بصورة مستقلة، وهو ما قد يحرم كثيرين من شراء احتياجاتهم الأساسية.
وأضافت، في حديثها إلى هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، أن هذا الوضع سيشكل فرصة لمقرضي الأموال غير القانونيين، الذين سيكونون “في غاية السعادة” بهذا التطور، مشيرةً إلى أن الشباب، والأشخاص الذين واجهوا مشكلات سابقة في السداد، هم الأكثر عرضة لرفض طلباتهم.
وتحظى خدمات BNPL بشعبية خاصة بين الفئة العمرية 18 إلى 24 عامًا، لكنها تستخدم على نطاق واسع بين مختلف الفئات العمرية.
جمعيات خيرية تدعو إلى التريث قبل الشراء

رحبت العديد من الجمعيات الخيرية المعنية بالديون بالقواعد الجديدة، معتبرةً أنها جاءت بعد سنوات من التأخير، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة التروي قبل استخدام خدمات “اشترِ الآن وادفع لاحقًا”، والتفكير فيما إذا كانت السلعة ستُشترى أصلًا لو لم تكن متاحة بنظام الائتمان.
كما لفتت إلى أن بعض منتجات BNPL التي توفرها المتاجر مباشرة لعملائها، لن تشملها اللوائح التنظيمية الجديدة.
وقالت مؤسسة موني ويلنس (Money Wellness) إن بياناتها تشير إلى تزايد استخدام المستهلكين لهذه الخدمات في تمويل مشتريات صغيرة عبر اتفاقيات متعددة، بدلًا من استخدامها لشراء سلع مرتفعة الثمن على فترات متباعدة.
وقال “ماثيو شيران” مدير العلاقات الخارجية في المؤسسة: “لا تكمن المشكلة في خدمة (اشترِ الآن وادفع لاحقًا) بحد ذاتها، بل فيما قد يحدث عندما يعتمد الناس على عدة أشكال من الائتمان لتغطية نفقاتهم الأساسية.”
تجربة شخصية تكشف مخاطر تراكم الديون

كان تيم ريسنر من بين الأشخاص الذين حصلوا على عدة قروض، من بينها خدمات BNPL، قبل أن تتغير ظروفه الشخصية وتتحول تلك الالتزامات إلى عبء مالي.
وقال: “لم أشعر بأنها ديون، بل بدت وسيلة مريحة. أثناء التسوق عبر الإنترنت يظهر خيار تقسيم الدفعات والدفع لاحقًا، فتعتقد أنك تتخذ قرارًا حكيمًا، لكن قد تجد نفسك مشتركًا في عدة خطط سداد في الوقت نفسه.”
وأضاف: “وقبل أن تدرك ذلك، تصبح الديون بالآلاف. ثم تضيف إليها القروض وبطاقات الائتمان وأشكالًا أخرى من التمويل، لتجد أنني أصبحت مدينًا بمبلغ 24,000 باوند.”
وأوضح أن أوضاعه المالية تدهورت بعدما اضطر إلى ترك عمله في قطاع البناء، الذي كان يوفر له دخلًا مرتفعًا، بسبب مشكلات في البصر.
وأضاف: “لا ينبغي لأحد أن يتعاطف معي. أنا شخص بالغ، وكنت أعلم ما أفعله، والمسؤولية تقع عليّ. لكن الإعلانات شديدة الإغراء؛ فهي تستدرج الناس، لأن المجتمع الذي نعيش فيه يروج لفكرة أنك تستطيع الحصول على ما تريد، وبشكل فوري.”
وأشار إلى أنه، بعد فترة وصفها بالصعبة والمظلمة، تواصل مع مؤسسة بيزنس دِبت لاين، حيث ساعده المختصون على مراجعة ديونه وتنظيم أمر إعفاء من الديون، وهو يسير الآن نحو التخلص من ديونه.
القطاع يدعم التنظيم مع الدعوة إلى الحفاظ على الابتكار

دعا جاك سبورسيتش، مستشار الديون في ناشيونال دِبت لاين، المستهلكين إلى التعامل مع خدمات “اشترِ الآن وادفع لاحقًا” باعتبارها شكلًا من أشكال الاقتراض، لا يختلف عن غيره من وسائل التمويل.
وقال: “نشهد كثيرًا استخدام هذه الخدمات لشراء الاحتياجات اليومية، مثل المواد الغذائية، و فواتير الطاقة، والمستلزمات المنزلية الأساسية.”
وفي السياق ذاته، قدرت وكالة المعلومات الائتمانية إكسبيريان (Experian)، التي تتلقى بالفعل بيانات طوعية من بعض مزودي الخدمة، أن أكثر من 100 مليون معاملة أُجريت عبر خدمات BNPL خلال عام 2025، نفذها 8.5 ملايين عميل، بقيمة إنفاق تجاوزت 7 مليارات باوند.
وأضافت الوكالة أن 98.5% من الأرصدة المستحقة سُددت في مواعيدها.
ومن جانبها، أبدت الشركات الكبرى العاملة في القطاع دعمها لإخضاع خدمات BNPL للتنظيم، مع تأكيدها أهمية الإبقاء على مساحة للابتكار.
وقال متحدث باسم كلارنا (Klarna)، التي يبلغ متوسط عمر عملائها 38 عامًا: “تعكس قواعد هيئة السلوك المالي إلى حد كبير ما نطبقه بالفعل؛ إذ نجري اختبارات للقدرة على السداد، ونوضح التكاليف مسبقًا، ونشارك البيانات مع وكالات المعلومات الائتمانية.”
وأضاف: “تمثل خدمة الشراء الآن والدفع لاحقًا دون فوائد بديلًا أبسط وأكثر عدالة وأقل تكلفة من الائتمان المتجدد، كما أن التنظيم القوي الذي يعزز ثقة المستهلكين ويوسع نطاق الحماية الممنوحة لهم يمثل خطوة إيجابية.”
المصدر: بي بي سي
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇