من دون حركات التشكيل… كيف كانت ستُقرأ العربية والقرآن؟
هكذا هي العربية؛ لغةٌ لا تُهمل التّفصيل، ولا تُلقي بالًا إلى ضآلة الحجم ما دام الأثر عظيمًا. ففيها قد تُغيِّر حركةٌ واحدةٌ مصير كلمة، وقد تنقل القارئ من معنى إلى آخر، دون أن يتبدل من الحروف شيء. وكأن الحروف أجسادٌ ساكنة، والحركات أرواحٌ تنفخ فيها الحياة، فإذا تبدلت الروح تبدلت الهوية، وإن بقي الجسد على صورته الأولى.
ولم تكن العربية، في فجر ميلادها، تعرف هذه العلامات التي نراها اليوم. كانت الكلمات تُكتب عاريةً من الحركات، كما يولد النهار عاريًا من ألوان الغروب. وكان العربي يقرأها بفطرته، إذ كانت اللغة تجري في عروقه كما يجري الدم، فلا يلتبس عليه معنى، ولا تتعثر به عبارة. كانت العربية يومئذٍ تُقرأ بالذائقة قبل العين، وبالسليقة قبل القاعدة.
غير أنّ التّاريخ لا يبقى على حال، وما إن اتسعت رقعة الإسلام، حتى دخلت أممٌ شتى في رحابه، تحمل إلى العربية قلوبًا محبةً، ولكنّها لا تحمل ألسنةً اعتادت مخارجها. وهناك بدأ اللحن يتسلل إلى التلاوة، وراحت بعض الكلمات تُقرأ على غير وجهها، حتى غدا الخوف على لغة القرآن خوفًا على المعنى نفسه، إذ إنّ انحراف اللّفظ قد يكون أوّل الطّريق إلى انحراف الفهم.
عندها أدرك علماء العربية أنّ الحرف وحده لا يكفي، وأنّ المعنى يحتاج إلى دليلٍ يقوده، فكانت ولادةُ التّشكيل؛ ولادةً لم تكن إضافةً إلى الكتابة، وإنّما كانت ميلادًا جديدًا للدقة. فجاءت الفتحة والضمة والكسرة والسكون، لتحرس الحروف، وتصون رسالة الكلمة من أن تمتد إليها يدُ الالتباس.
وما أروع أن ترى الحركات وهي تمارس سلطانها الصّامت! فبين العِبرة والعَبرة شعوران مختلفان، وبين مَلِك ومَلَك عالمان متباينان، وبين السِّلم والسَّلَم مسافةٌ لا تقطعها الحروف، وإنّما تقطعها حركةٌ لا تكاد تراها العين. وكأنّ العربية أرادت أن تقول إن الحقيقة قد تسكن في أدقّ التّفاصيل، وإنّ أعظم الفروق قد تصنعها أصغر العلامات.
وليس في لغاتٍ كثيرةٍ ما للحركة في العربية من هذه المنزلة؛ فهي ليست أثرًا صوتيًّا فحسب، فهي شريكٌ في صناعة المعنى، حتى غدت الحركات ميزانًا خفيًّا، إذا اختلَّ اختلَّ معه الفهم، وإذا استقام استقامت العبارة، وانكشف المراد كما أراده صاحبه.
ولئن كان النّاس يتغنون بجمال الخط العربي، فإن الجمال الحقيقي لا يكتمل إلّا حين تعانق الحروفُ حركاتِها، فتغدو الكلمات أكثر حياةً، ويصبح النّصّ أكثر وضوحًا، ويستردُّ اللّسان موسيقاه الّتي وُلدت معه. فالتّشكيل نبضٌ يسري في أوصال اللغة، فإذا غاب خفت الإيقاع، واضطربت الدلالة، وتوارى كثيرٌ من الجمال.
ولعلّ أعظم ما صنعته علامات التّشكيل أنّها لم تحفظ العربية وحدها، فقد حفظت القرآن الكريم من أن تعبث الألسنة بألفاظه، وصانت ميراثًا علميًّا وأدبيًّا امتد قرونًا طويلة، حتى وصل إلينا غضًّا كما خرج من أفواه أصحابه. ولولا تلك العلامات الصّغيرة، لكان كثيرٌ من النّصوص معرضًا لأن يُقرأ على غير وجهه، وأن يُفهم على غير مراده.
إنّها مفارقةٌ تستحقُّ التّأمّل؛ فالحضارات كثيرًا ما تُقاس بما شيّدته من قصورٍ وأسوار، أما العربية فقد خلدت أيضًا بما وضعته فوق حروفها من حركات. وكأنّها أرادت أن تُعلِّم العالم أنّ الأمم لا تحفظها القوة وحدها، يحفظها كذلك احترامها لأدق التفاصيل، لأن التفاصيل الصغيرة هي التي تمنع المعاني الكبيرة من الضياع.
وهكذا بقيت الفتحة والضمة والكسرة، على صغرها، حارساتٍ أميناتٍ للغة الضاد، تذود عن معانيها، وتحفظ جمالها، وتهمس لكل قارئ: إن الكلمة روحٌ لا تُدرك إلا إذا وُضعت كلُّ حركةٍ في موضعها.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇