لا تنتظر صمت الموسيقى لتبدأ الرّقص
ثمّة خطأٌ يتكرّر في حياة الإنسان أكثر مما يتكرّر مجيء الليل والنهار؛ أن يؤجّل الحياة حتى تكتمل شروطها، وأن ينتظر اللحظة المثالية التي لا تأتي. يؤجّل فرحه حتى يكثر المال، ويؤجّل حلمه حتى يهدأ الطريق، ويؤجّل اعتذاره حتى تلين القلوب، ويؤجّل حبَّه حتى يضمن البقاء، ويؤجّل عيشه نفسه حتى يفرغ من الانشغال بالحياة.
ولذلك يمضي العمر، بينما يظنّ صاحبه أنه لم يبدأ بعد.
إننا نعيش وكأن الزمن حسابٌ مفتوح، وكأن الأيام مدينةٌ لنا بما نشتهي، مع أن الحقيقة أكثر صراحةً وأشد قسوةً؛ فالوقت لا يَعِدُ أحدًا بشيء، ولا يلتفت إلى من تأخر، ولا يعيد دقيقةً خرجت من بين يديه.
ولهذا قيل: لا تنتظر خفوتَ الموسيقى كي ترقص، ولا انطفاءَ العمر كي تحيا.
فالحياة ليست حفلاً يبدأ عندما يسود الصمت، فهي الرقصة نفسها وسط ضجيج العالم. ليست طريقًا يخلو من الحجارة، ولكن هي فنُّ السير فوقها دون أن تفقد روحك.
كم من إنسانٍ ظنّ أن السعادة تقف عند المحطة القادمة، فلم ينتبه إلى أنها كانت تجلس إلى جواره طوال الطريق.
وكم من قلبٍ أخّر كلمة “أحبك”، حتى سبقها القدر بكلمة “رحل”.
وكم من ابنٍ أجّل زيارة والديه بحجة الانشغال، حتى صار يقف أمام قبرٍ لا يردّ السلام.
وكم من إنسانٍ كان ينتظر الوقت المناسب ليبدأ مشروعًا، أو يكتب كتابًا، أو يتعلم علمًا، أو يسافر إلى مكانٍ يحلم به، فإذا بالسنين تمضي، وتبقى الأحلام معلّقةً على شماعة الغد.
ولعلّ أكثر ما يخدع الإنسان هو كلمة “لاحقًا”.
هذه الكلمة الصغيرة التي سرقت من البشر أعمارًا كاملة.
سنسامح لاحقًا، سنصالح لاحقًا، وسنرتاح لاحقًا، وسنعيش لاحقًا.
لكن “لاحقًا” لا تأتي دائمًا، وإن جاءت، فقد تأتي وقد تغيّر كل شيء؛ تتبدّل القلوب، وتتغيّر الوجوه، ويهرم الجسد، وتبرد الرغبات، ويصبح ما كان حلمًا بالأمس مجرد ذكرى باهتة.
إن الزمن لا ينتظر أحدًا، وليس في هذا الكون شيءٌ أكثر عدلًا منه؛ فهو يمنح الجميع أربعًا وعشرين ساعة، لكنه لا يمنح أحدًا ساعةً إضافية ليستدرك ما أضاعه.
ولذلك فإن الحكيم لا يقيس عمره بعدد السنوات، وإنّما بعدد اللحظات التي عاشها حقًا.
فالعيش ليس أن تتنفس فقط، فهو أن تشعر.
وليس أن يمرّ اليوم، ولكن أن يترك في روحك أثرًا.
وليس أن تجمع السنوات، ولكن أن تملأها بالمعنى.
لقد اعتاد الناس أن يربطوا الحياة بالإنجازات الكبيرة، بينما الحياة في حقيقتها مختبئةٌ في التفاصيل الصغيرة؛ في ضحكة أمّ، وفي جلسة صديق، وفي كتابٍ يفتح نافذةً جديدةً للعقل، وفي فنجان قهوةٍ تشربه بطمأنينة، وفي دعاءٍ صادقٍ يخرج من قلبٍ منكسر، وفي سجدةٍ تشعر فيها أنك أقرب إلى الله من كل شيء.
من لا يرى جمال التفاصيل، لن تسعده عظمة الأحداث.
فالقلوب التي لا تعرف الامتنان، لا يشبعها امتلاك الدنيا.
ثم إن انتظار الظروف المثالية وهمٌ آخر؛ فلا أحد يولد وقد اكتملت له الحياة. كل الذين صنعوا أثرًا بدأوا وهم ينقصهم شيء؛ منهم من نقصه المال، ومنهم من نقصه الدعم، ومنهم من نقصته الصحة، لكنهم لم يجعلوا النقص عذرًا لترك الطريق.
لقد فهموا أن السفن لا تنتظر هدوءَ البحر، بل تُخلق لتشقّ الأمواج.
وكذلك الإنسان؛ لم يُخلق ليبحث عن حياةٍ بلا تعب، وإنما ليصنع من التعب معنى، ومن الصبر قوة، ومن العثرات خبرة.
ومن أجمل المفارقات أن الإنسان لا يدرك قيمة اللحظة إلا بعد أن تصبح ماضيًا.
لا يعرف قيمة شبابه إلا عندما يغزوه الشيب.
ولا يعرف قيمة صحته إلا عندما يطرق المرض بابه.
ولا يعرف قيمة الأحبة إلا عندما تغدو صورهم ذكريات، وكأن الزمن يعلّمنا دائمًا متأخرين.
لكن الحكمة الحقيقية هي أن نتعلّم قبل الفقد، لا بعده.. أن نحب قبل الوداع.
أن نشكر قبل الندم، أن نبدأ قبل أن يخبرنا العمر أن الوقت لم يعد يتسع.
ومن ينظر بعين الإيمان يدرك أن اغتنام اللحظة لا يعني اللهاث خلف اللذة، ولا الانغماس في الشهوات، وإنما يعني أن تجعل كل لحظةٍ طريقًا إلى ما يرضي الله، وأن تعيش يومك وكأنك مؤتمنٌ عليه، لأنك ستُسأل عنه يومًا.
فاللحظة التي ترفع فيها أذىً عن طريق، أو تواسي فيها منكسرًا، أو تبتسم في وجه إنسان، أو تعفو عمّن أساء إليك، قد تكون أثقل في ميزانك من سنواتٍ عشتها بلا أثر.
إن الحياة بعدد المواقف التي جعلت فيها روحك أكثر نقاءً، وقلبك أكثر رحمة، وعلاقتك بالله أكثر قربًا.
وفي النهاية…
لا تنتظر أن تخفت الموسيقى، فربما كان الرقص أجمل وهي تعلو.
ولا تنتظر أن تزول المتاعب، فربما كانت أعظم انتصاراتك في قلبها.
ولا تنتظر أن يخبرك العمر أنه أوشك على الرحيل لتبدأ الحياة، لأن العمر إذا انطفأ، فلن يمنحك فرصةً أخرى لتقول: “ليتني عشت.”
فاغتنم اللحظة قبل أن تتحول إلى ذكرى، وازرع الخير قبل أن تُطوى الصحائف، وأحبَّ من يستحقون الحب قبل أن تسرقهم الأيام، وعِش بقلبٍ حاضر، وروحٍ شاكرة، ونفسٍ تعرف أن أثمن ما في الدنيا ليس ما نملك، بل ما نحسن عيشه قبل أن يمضي… فإن ما يمضي لا يعود.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇