أن نختلف… دون أن نفترق
المشكلةُ ليست في الانتقاد، فكلُّ صاحبِ قلمٍ يُنتقَد، وكلُّ صاحبِ مشروعٍ يُراقَب، وحتى الطبيبُ في محرابِ مهنته لا يسلمُ من مبضعِ اللوم. فالانتقاد ليس عيبًا يُخشى، فهو دليلٌ على أنَّ هناك فكرةً حاضرةً تستحقُّ أن تُناقش، ورأيًا وجد من يراه جديرًا بالتمحيص. وكلُّ إنسانٍ يسير في طريقٍ يراه صوابًا سيجد من يوافقه، ومن يعارضه، ومن يمدحه، ومن ينتقده؛ لأنَّ العقول لم تُخلق نسخةً واحدة، ولأنَّ اختلاف الرؤى كان دائمًا أحد أسباب ازدهار المعرفة وتقدّم البشرية.
لكنَّ الخَطْبَ كلَّ الخَطْبِ يبدأ حين نخلط بين نقد الفكرة والطعن في صاحبها، وحين نتصوّر أن مخالفة الرأي تعني إسقاط المكانة، أو أن الاختلاف إهانة تستوجب الخصومة. عندها يتحوّل الحوار من وسيلةٍ للبحث عن الحقيقة إلى معركةٍ لإثبات الذات، وتُفرَّغ الكلمات من معانيها، ويصبح النقاش جدارًا أصمًّا لا يسمع فيه أحدٌ صوت الآخر.
فما جدوى الحوار إذن، إذا دخلناه ونحن لا نريد أن نفهم؟ وما قيمة النقاش إذا كان كلُّ طرفٍ قد أغلق أبواب عقله قبل أن يبدأ الكلام؟ إنَّ القيمة الحقيقية للحوار لا تكمن في تطابق الرؤى، فذلك أمرٌ مستحيل بين بشرٍ اختلفت تجاربهم وبيئاتهم وطرق رؤيتهم للحياة، وإنما تكمن في القدرة على الإصغاء، وفي اتساع الصدور لفهم ما وراء الاختلاف.
لقد أدرك العقلاء منذ القدم أنَّ الإنسان لا يرى العالم كله من نافذته، وأنَّ كلَّ عقلٍ يحمل جزءًا من الصورة، لا الصورة كاملة. لذلك كانوا يستمعون قبل أن يجيبوا، ويتأملون قبل أن يحكموا، ويمنحون الآخرين حقَّ التعبير كما يمنحون أنفسهم حقَّ الرد. لم يكن ذلك ضعفًا في شخصياتهم، كان ثقةً بأنَّ الحقيقة لا تخشى الحوار، وأنَّ الرأي القوي لا ينهار أمام السؤال، وإنّما يزداد رسوخًا حين يُختبر بالحجة.
ولنا في تاريخنا القديم عبرةٌ بالغة؛ ففي حرب البسوس، حين اشتعلت نار الثأر بعد مقتل كُليب بن ربيعة، وانقسمت القبائل بين بكرٍ وتغلب، وقف الزير سالم في صفِّ الثأر لأخيه كُليب، بينما كان همّام بن مرّة من رجال بكر الذين ارتبطوا بالطرف الآخر من الصراع. ورغم أنَّ دم كُليب كان جرحًا عظيمًا في قلب الزير، ورغم أنَّ المواقف فرّقت بين الرجلين وجعلتهما في خندقين متقابلين، فإنَّ ذلك لا يلغي ما كان بينهما من قرابةٍ ومكانةٍ واحترامٍ سابق. فقد كان الخلاف على موقفٍ وثأرٍ وحرب، لا على إسقاط قيمة الإنسان أو محو ما بين الناس من روابط. وكأنَّ تلك الحكاية القديمة تذكّرنا بأنَّ أشدَّ الاختلافات لا ينبغي أن تُطفئ فينا القدرة على رؤية إنسانية الآخر
ولعلَّ الأدب خير شاهدٍ على أنَّ الاختلاف لا يفسد الودَّ إذا سكنته الأخلاق. فقد اختلف الشعراء والأدباء والعلماء، ونشبت بينهم المناظرات والنقاشات، وتباينت آراؤهم في اللغة والفكر والسياسة والأدب، لكنَّهم أدركوا أنَّ الخصومة مع الفكرة لا تعني الخصومة مع صاحبها. فلم يكن القلم عندهم سيفًا للطعن، كان مصباحًا يكشف الطريق، ولذلك بقيت مناظراتهم وكتبهم حيّةً عبر الزمن؛ لأنها قامت على احترام العقل قبل الانتصار للنفس.
إنَّ أكثر الناس قوةً من يملك شجاعة مراجعة نفسه، ومن يستطيع أن يقول: “ربما كنت مخطئًا”. فهذه الكلمة لا تُنقص من قدر الإنسان، فهي ترفعه؛ لأنها تعني أنَّ الحقيقة عنده أغلى من كبريائه، وأنَّ المعرفة أهم من الحفاظ على صورةٍ لا تخطئ أمام الآخرين.
وليس من الحكمة أن نطلب من الجميع أن يتفقوا معنا؛ فذلك يخالف طبيعة البشر. لكن الحكمة أن نتعلم كيف نختلف دون أن نهدم الجسور، وكيف نرفض فكرةً دون أن نُهين صاحبها، وكيف نناقش موقفًا دون أن نحول الخلاف إلى خصومة شخصية. فكم من رأيٍ رفضناه في لحظة انفعال، ثم عدنا إليه بعدما هدأت النفوس، فاكتشفنا أنَّ فيه جانبًا من الصواب لم نكن نراه.
إنَّ الأمم التي يضيق صدرها بالاختلاف لا تلبث أن تضيق بالإبداع، ثم تضيق بالنقد، ثم تضيق بالحقيقة نفسها. أما الأمم التي تتسع للحوار، فإنها تفتح أبواب التجديد والإصلاح والتقدم. فلا حضارة قامت على التصفيق الدائم، ولا أمة نهضت لأن أبناءها كانوا نسخةً واحدة من التفكير، وإنما نهضت لأنها احترمت التعدد، وجعلت من الاختلاف طريقًا لاكتشاف الأفضل.
وفي النهاية، لا تُقاس قيمة الإنسان بعدد المعارك التي انتصر فيها في النقاش، تُقاس بعدد القلوب التي حافظ عليها وهو يختلف، وبعدد العقول التي أقنعها بالحجة لا بالصوت، وبقدرته على أن يجعل من الحوار جسرًا يصل الناس بالحقيقة لا جدارًا يفصل بينهم.
فالأفكار قد تتغير، والآراء قد تتبدل، والمواقف قد تتراجع، لكنَّ الأخلاق التي ندير بها خلافاتنا تبقى الشاهد الأصدق على رقي الإنسان أو سقوطه. لأنَّ أجمل ما يمكن أن نتعلمه في هذه الحياة هو أنَّ الاختلاف لا يكون خطرًا حين تحكمه المحبة، وأنَّ تعدد الأصوات لا يهدد الحقيقة، فقد يكون الطريق الأقرب إليها.
الرابط المختصر هنا ⬇