حين تلتقي المُحليّات بالأدوية داخل الأمعاء.. تفاعلات خفية تكشفها دراسة بريطانية
لم تعد المُحلّيات الغذائية، التي تُستخدم بديلًا للسكر في كثير من الأطعمة والمشروبات، مجرد وسيلة لتقليل استهلاك السكر والسعرات الحرارية، بل أصبحت محورًا لأبحاث تسعى إلى فهم تأثيراتها داخل الجسم، ولا سيما علاقتها ببكتيريا الأمعاء وتفاعلها المحتمل مع بعض الأدوية.
وفي هذا السياق، كشفت دراسة أجراها باحثون من جامعة كامبريدج البريطانية عن تفاعلات غير متوقعة بين عدد من المُحلّيات الشائعة وبكتيريا الجهاز الهضمي.
وأظهرت النتائج أن وجود بعض الأدوية أو المركبات الأخرى قد يغيّر تأثير هذه المُحلّيات في نمو البكتيريا، ما يفتح المجال أمام مزيد من البحث في العلاقة بين الغذاء والعلاج والتوازن الميكروبي داخل الأمعاء.
ونُشرت الدراسة في مجلة «Molecular Systems Biology»، وعرض موقع «ساينس ديلي» (ScienceDaily) نتائجها في الـ17 من تشرين الأول/أكتوبر 2026.
واختبر الباحثون 39 نوعًا من المُحلّيات التجارية، إلى جانب 25 نوعًا من بكتيريا الأمعاء، لرصد التفاعلات بينها.
وأظهرت النتائج أن نحو ثلاثة أرباع المُحلّيات التي شملتها التجارب أثّرت في نمو نوع واحد على الأقل من البكتيريا، ما يشير إلى أن بعض المركبات المستخدمة في المنتجات الغذائية قد تتفاعل مع البيئة الميكروبية داخل الجهاز الهضمي.
كيف تؤثر المُحلّيات في بكتيريا الأمعاء؟

لم تكن التأثيرات متشابهة في جميع التجارب؛ إذ اختلفت استجابة البكتيريا باختلاف نوع المُحلّي والسلالة البكتيرية التي تعرّضت له.
ففي حين أثّرت بعض المُحلّيات في نمو أنواع معينة، لم تُظهر أنواع أخرى التأثير نفسه.
وتكتسب هذه النتائج أهميتها من الدور الذي تؤديه بكتيريا الأمعاء في هضم الطعام والتمثيل الغذائي ودعم وظائف الجهاز المناعي.
ومع ذلك، فإن تغيّر نمو بكتيريا معينة في المختبر لا يعني بالضرورة حدوث اضطراب صحي داخل جسم الإنسان.
كيف تغيّر الأدوية طبيعة التفاعل؟
لم يكتفِ الباحثون بدراسة المُحلّيات منفردة، بل اختبروا تأثيرها عند اجتماعها مع مركبات أخرى، منها الكافيين والفانيلين، وهو مركب يرتبط برائحة الفانيليا، إلى جانب أدوية مختلفة.
وكشفت التجارب عن أكثر من 100 حالة تغيّر فيها تأثير المُحلّيات في نمو البكتيريا عند وجود مركبات أخرى.
ففي 34 حالة، ازدادت قوة التأثير، في حين تراجع في 68 حالة أخرى.
وتشير هذه النتائج إلى أن تأثير بعض المُحلّيات في البكتيريا قد لا يعتمد على نوع المُحلّي وحده، بل يتأثر أيضًا بالمواد التي تجتمع معه.
مُحلٍّ ودواء مضاد للاكتئاب يثيران اهتمام الباحثين

من أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة تفاعل مركب الإيزوستيفيول، المشتق من نبات الستيفيا والمستخدم في قطاع الأغذية والمشروبات، مع دواء دولوكستين، الذي يُستخدم لعلاج الاكتئاب وبعض حالات الألم المزمن.
فقد أظهر الجمع بين المركبين تأثيرًا قويًا في تثبيط نمو نوعين من بكتيريا الأمعاء، هما «Roseburia intestinalis» و«Parabacteroides merdae»، المرتبطتان بصحة الجهاز الهضمي وبعض عمليات تنظيم مستويات السكر في الدم.
وتشير هذه النتيجة إلى أن اجتماع مُحلٍّ معين مع دواء قد يؤدي إلى تأثير مختلف عن تأثير كل منهما عند اختباره منفردًا.
لكن التجربة لا تثبت أن الأشخاص الذين يتناولون دولوكستين ويتعرضون لهذا المُحلّي سيعانون التأثير نفسه، كما لا تؤكد أن هذا الجمع يسبب ضررًا صحيًا لدى البشر.
هل تؤثر هذه التفاعلات في التنوع البكتيري؟
لفهم ما قد يحدث داخل مجتمع بكتيري أكثر تعقيدًا، أنشأ الباحثون بيئة ميكروبية اصطناعية تضم الأنواع البكتيرية الـ25 التي شملتها الدراسة، ثم اختبروا تأثير مجموعات مختلفة من المُحلّيات والأدوية في هذا المجتمع.
وأظهرت النتائج أن الجمع بين الإيزوستيفيول والدولوكستين أدى إلى انخفاض التنوع الميكروبي، أي تراجع تنوع البكتيريا الموجودة داخل المجتمع التجريبي وتغيّر التوازن النسبي بين أنواعها.
ويُعد التنوع الميكروبي أحد الجوانب المهمة التي يدرسها العلماء لفهم صحة الأمعاء واستقرار بيئتها، إذ تتفاعل أنواع البكتيريا المختلفة فيما بينها وتؤثر في نمو بعضها بعضًا.
كما رصد الباحثون تغيرات إضافية في تجارب على خلايا مخبرية، شملت زيادة التأثير السام على بعض الخلايا وتغيّر إفراز مواد مرتبطة بالاستجابات الالتهابية والمناعية.
ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج أن المزيج يسبب التهابًا أو مرضًا لدى الإنسان؛ فهي ملاحظات مستخلصة من تجارب مخبرية تحتاج إلى مزيد من البحث لتحديد دلالاتها الصحية.
هل تعني النتائج أن المُحلّيات والأدوية تشكّل خطرًا على الصحة؟

تستدعي النتائج مزيدًا من البحث، لكنها لا تبرر اعتبار المُحلّيات المستخدمة في الأغذية ضارة بصورة عامة، أو افتراض أن الجمع بينها وبين الأدوية يؤدي حتمًا إلى اضطرابات في بكتيريا الأمعاء.
فالتجارب المخبرية تتيح مراقبة التفاعلات في ظروف محددة، لكنها لا تحاكي جميع العوامل الموجودة داخل جسم الإنسان، ومنها الهضم والامتصاص والاستقلاب، واختلاف الجرعات، والنظام الغذائي، وتركيبة الميكروبيوم من شخص إلى آخر.
ولذلك يحتاج الباحثون إلى دراسات إضافية لمعرفة ما إذا كانت التفاعلات نفسها تحدث داخل الجسم، وما إذا كانت التغيرات البكتيرية المرصودة ترتبط بآثار صحية يمكن قياسها على المدى القصير أو الطويل.
ولا توصي الدراسة بإيقاف أي دواء أو تغيير جرعته أو الامتناع عن مُحلٍّ بعينه؛ فهذه القرارات لا يمكن استخلاصها من النتائج المخبرية وحدها.
ماذا تعني النتائج لمستقبل الأبحاث الغذائية؟
تُستخدم المُحلّيات على نطاق واسع في المشروبات والأطعمة منخفضة السكر والسعرات الحرارية، كما تدخل بعض المركبات المُحلّية في منتجات أخرى، من بينها أدوية تُضاف إليها لتحسين مذاقها.
ومع اتساع استخدامها، تزداد أهمية دراسة تفاعلاتها مع بقية المكونات التي قد تدخل الجسم في الوقت نفسه، بدلًا من تقييم كل مادة بمعزل عن غيرها.
وتقدّم الدراسة البريطانية خطوة جديدة في هذا الاتجاه، إذ تُظهر أن بعض المُحلّيات قد تؤثر في نمو بكتيريا الأمعاء، وأن وجود أدوية أو مركبات أخرى قد يغيّر طبيعة هذا التأثير.
لكن تحديد ما إذا كانت لهذه التفاعلات نتائج صحية فعلية سيظل مرهونًا بأبحاث إضافية على البشر، تساعد على فهم العلاقة بين المُحلّيات والأدوية والميكروبيوم المعوي بصورة أدق.
الرابط المختصر هنا ⬇