العرب في بريطانيا | من ثرثرةِ البدايات إلى حكمةِ الصمت

من ثرثرةِ البدايات إلى حكمةِ الصمت

من ثرثرةِ البدايات إلى حكمةِ الصمت بقلم: أميرة عليّان تبلو
أميرة عليان تبلو يوليو 23, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

يولدُ الإنسانُ ثرثارًا… حتى تُعلِّمَهُ الأيّامُ كيف يسكت

ما من طفلٍ يولد وفي قلبه خزائن مغلقة، ولا في لسانه حارسٌ يمنعه من البوح. يولد الإنسان وهو يظن أن كل ما يختلج في صدره يستحق أن يُقال، وأن كل فكرةٍ جميلة ينبغي أن تُروى، وأن كل حلمٍ صغير يجب أن يجد آذانًا تصغي إليه. فالكلام في بدايات العمر يشبه النهر حين ينبع من الجبل؛ مندفعًا، صاخبًا، لا يعرف الحواجز، ولا يخشى الانحدار.

نحدّث الناس عن أحلامنا كما لو كانوا شركاء فيها، ونبوح بأسرارنا كما لو كانت الأمانة خُلقت في قلوب الجميع، ونفتح نوافذ أرواحنا لكل طارق، ظانّين أن العالم نسخةٌ أخرى من براءة قلوبنا.

لكن الأيام… لا تترك أحدًا على فطرته الأولى.

إنها لا ترفع إصبعها لتلقي المواعظ، ولا تجلس لتشرح دروسها، بل تُلقي بالإنسان في امتحاناتٍ لا يختارها، ثم تتركه يقرأ الإجابات في وجع التجربة.

في أول الخيبات، يكتشف أن بعض الآذان لا تُصغي لتفهم، وإنّما لتجمع الكلمات. وفي أول الطعنات، يدرك أن بعض الوجوه التي كانت تبتسم له، لم تكن تبحث إلا عن مفاتيح أبوابه المغلقة. وفي أول حسدٍ يمرّ به، يعلم أن هناك من يبتسم لنجاحك بلسانه، بينما يضيق به قلبه.

وهنا… يبدأ الصمت بالنمو، لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلل إلى الروح كما يتسلل الشيب إلى الرأس؛ ببطء، ولكن بثبات. يصبح الإنسان أقل حديثًا، لا لأنه لم يعد يملك ما يقوله، ولكن لأنه صار يعرف قيمة ما يملكه. يدرك أن الكلمة سهمٌ لا يعود إلى كنانته، وأن السر إذا غادر صاحبه، لم يعد سرًا، بل صار حكايةً تتقاذفها الألسن.

وحين يكبر أكثر، يكتشف حقيقةً مؤلمة: ليست كل الأسئلة بريئة.

كم من شخصٍ سألك: “كيف حالك؟” وهو لا يبحث عن جواب، وإنّما عن ثغرة. وكم من إنسانٍ استفسر عن خططك، ليقارن نفسه بك، أو ليترقب تعثرك. وكم من قريبٍ جلس ليستمع إليك، ثم قام يحمل كلماتك إلى مجلسٍ آخر، بعد أن غيّر ملامحها، وأضاف إليها من ظنونه ما لم تقله يومًا.

وهكذا، يتعلم الإنسان أن ليس كل من اقترب من قلبه يستحق أن يعرف ما فيه.

يتعلم أن بعض الأحلام تموت لأنها خرجت إلى الضوء قبل أوانها، وأن بعض المشاريع تتعثر لأنها أُشبعت كلامًا قبل أن تُبصر النور، وأن بعض العلاقات ما كانت لتنتهي لو أن أصحابها صمتوا في لحظة غضبٍ واحدة.

ومن أعجب ما تصنعه الأيام، أنها لا تُعلّم الإنسان كيف يتكلم، تعلّمه كيف يمتنع عن الكلام.

فالبلاغة ليست أن تقول كل ما تعرف، وإنما أن تعرف ما الذي ينبغي ألا يُقال. والحكمة ليست في كثرة الألفاظ، وإنما في دقة اختيارها، وفي معرفة الوقت الذي يكون فيه الصمت أصدق من أي خطاب.

ولعل أكثر ما ينضج في الإنسان مع العمر، ليس عقله، وإنّما لسانه.

فالطفل يتكلم لأنه لا يعرف العواقب، والشاب يتكلم لأنه يريد أن يُثبت حضوره، أما الشيخ الذي هذّبته الحياة، فقد أدرك أن الهيبة لا تُصنع بالصوت المرتفع، وأن الوقار لا يحتاج إلى ضجيج.

كم من كلمةٍ أشعلت حربًا بين أخوين، وكم من كلمةٍ هدمت بيتًا، وكم من كلمةٍ قتلت مودةً عاشت سنوات. وفي المقابل، كم من صمتٍ أطفأ فتنة، وكم من سكوتٍ حفظ كرامة، وكم من تجاهلٍ أغلق باب شرٍ كان على وشك أن يُفتح.

إن الصمت قدرةٌ على الانتصار على الرغبة في الكلام.

إنه تلك القوة الخفية التي تجعلك قادرًا على أن تسمع الاستفزاز ولا ترد، وأن ترى الإساءة ولا تنحدر إليها، وأن تعرف الحقيقة كاملة، ثم تختار ألا تدخل معركةً لا تستحق أن تخسر فيها سلامك.

وحين يبلغ الإنسان من العمر ما يكفي، يلتفت إلى سنواته الأولى فيبتسم بحنينٍ ممزوجٍ بالأسى. يتذكر كم كان يتحدث بلا حساب، وكم منح ثقته لمن لا يستحقها، وكم كشف من أوراقه قبل أن تبدأ اللعبة، وكم أرهق نفسه بمحاولة شرح ما لا يريد الآخرون فهمه.

عندها يدرك أن الحياة لم تنتزع منه كثرة الكلام، بل نزعت عنه وهمًا كبيرًا؛ وهم أن الجميع يستحق أن يعرف قصتك.

ولذلك يصبح عالمه أكثر هدوءًا. يختار كلماته كما يختار الجواهر، ويزن عباراته قبل أن ينطق بها!

لذلك، ليس أعقل الناس أكثرهم كلامًا، أعقل النّاس أكثرهم معرفةً بأن بعض الكلمات تُقال مرةً واحدة، لكن أصداءها قد تبقى تؤلم العمر كلَّه.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 24 يوليو 2026
"من يرتكب إبادة جماعية غير مرحب به في لندن.." في موقف حاسم، أعلن عمدة لندن صادق خان رفضه لاستقبال نتنياهو، مؤكدًا استعداده للضغط على الحكومة البريطانية لملاحقته ومحاسبته قانونيًا بدلًا من الترحيب به. #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 24 يوليو 2026
"سواء كنت تخشى مواجهة الجمهور وتبحث عن بيئة آمنة لبناء ثقتك من الصفر، أو كنت متحدثًا ممارسًا يسعى لتطوير أدواته الخطابية لترك أثر لا يُنسى.. هذه الورشة صُممت لأجلك" في هذا اليوم التدريبي المكثف، ندمج أحدث مهارات التواصل مع أدوات…
𝕏 @alarabinuk · 24 يوليو 2026
"خلال 60 يومًا فقط قد تضطر لمغادرة البلاد بسبب خطأ إداري بسيط.." في هذه الحلقة من برنامج #في_حضرة_القانون، يكشف عبد الله من شركة BA International Solicitors أبرز الأخطاء الشائعة التي تُهدد تأشيرة العمل في بريطانيا، وكيف تتفاداها لحماية إقامتك وعملك.…
𝕏 @alarabinuk · 24 يوليو 2026
أنشطة وفعاليات تناسب العائلات في #بريطانيا خلال عطلة نهاية هذا الأسبوع🏤 تفاصيل الأنشطة وأماكن إقامتها: https://alarabinuk.com/?p=237401 #العرب_في_بريطانيا #AUK
عرض المزيد على X ←