ما قصة ياسين العياري التونسي الذي يلعب للسويد وسجل لها هدفين في مرمى “نسور قرطاج”؟
تحمل ملاعب كرة القدم في طياتها ما هو أبعد من مجرد تنافس رياضي؛ فهي مسرحٌ تلتقي فيه الهويات، وتتصارع فيه المشاعر، وتُكتب فوق عشبه الأخضر قصص إنسانية تلخص حكاية ملايين المهاجرين حول العالم. وفي كأس العالم الحالية، خطفت مباراة السويد وتونس الأضواء لا لجمالية أهدافها فحسب، بل للافتة إنسانية تجسدت في لاعب وسط المنتخب السويدي، *ياسين العياري*.
في تلك المواجهة التي انتهت بفوز السويد بخمسة أهداف مقابل هدف، كان العياري العقل المدبر والجلاد في آن واحد؛ حيث افتتح التسجيل للسويد مبكراً في الدقيقة السادسة، وعاد ليختتم الخماسية في الأنفاس الأخيرة من المباراة (الدقيقة 90+5). لكن المثير لم يكن تسجيله لهدفين في شباك بلد والده الأصلي، بل كان في التفاصيل التي تلت هذين الهدفين: رفضٌ للمبالغة بالاحتفال، وسجدة شكر لله، ورسالة وفاء صامتة لبلدين.
صراع الهوية الكروية: لماذا اختار السويد؟
عاشت الجامعة التونسية لكرة القدم لسنوات وهي تحاول جاهدة استقطاب المواهب المهاجرة في أوروبا، وكان ياسين العياري (المولود في السويد لأب تونسي وأم مغربية) أحد أبرز تلك الأسماء على الرادار منذ عام 2021. ورغم الإغراءات الرياضية الكبيرة التي قُدمت له، ومن بينها فرصة التواجد المباشر في المونديال السابق بقطر، إلا أن الشاب اليافع اتخذ قراراً حاسماً بتمثيل السويد.
لم يكن خلف هذا القرار أي دوافع سياسية أو خلافات إدارية، بل كان نابعاً من فلسفة عائلية عميقة. فقد لعب والده، عزوز العياري، الدور الأبرز في توجيهه نحو قميص “الأصفر والأزرق”. كانت نصيحة الأب واضحة لابنه:
السويد هي التي احتضنتنا، ووفرت لك التعليم، والرعاية، والبيئة الرياضية لتصبح ما أنت عليه اليوم. رد الجميل يقتضي أن تخلص لقميص هذا البلد”.
لقد نشأ ياسين كروياً في الملاعب السويدية، وتدرج في منتخباتها السنية منذ سن السادسة عشرة، فبات تمثيل المنتخب الأول بمثابة الاستمرار الطبيعي والمنطقي لمسيرته.
ليلة المونديال: سيكولوجية الهدف ورفض الاحتفال
حين وضعت القرعة السويد في مواجهة تونس، كانت الأنظار كلها تتجه نحو العياري؛ كيف سيتصرف أمام أبناء جلدته؟ الإجابة جاءت في الدقيقة السادسة، حين هز الشباك التونسية. في تلك اللحظة، تجمد العياري في مكانه، ورفع يديه عالياً معتذراً للجماهير التونسية، رافضاً بملامح وقورة وصارمة أي مظاهر للاحتفال.
هذه السلوكيات لم تكن مجرد بروتوكول رياضي، بل كانت نابعة من احترام حقيقي لجذوره، وتقدير لدموع وحماس الجماهير التونسية، ومن خلفهم والده الذي كان يراقب ابنه يمزق شباك وطنه الأم. وبعد انتهاء المباراة، سجد العياري على العشب الأخضر شاكراً الله على التوفيق، بقميص السويد وبقلبٍ مسلمٍ يعتز بأصوله.
مرآة لواقع الملايين: ذوو الأصول المهاجرة في الغرب
إن قصة ياسين العياري ليست حالة معزولة، بل هي مرآة تعكس واقع الملايين من أبناء الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين في المجتمعات الغربية. هؤلاء الشباب يعيشون بتناغم بين هويتين:
- حب الوطن الأم: الذي يسري في دمائهم من خلال اللغة، والدين، والعادات، والارتباط العاطفي ببلدان الآباء والأجداد.
- الولاء والوفاء لبلد المنشأ: الذي رعاهم، وأعطاهم الحقوق، ووفر لهم فرص النجاح التي قد لا يجدونها في أماكن أخرى.
أثبت العياري في تلك المباراة أن الوفاء لبلد الرعاية لا يعني بالضرورة التنكر للأصول، وأن احترام الجذور لا يعني خيانة القميص الذي ترتديه. لقد قدم درساً في الاحترافية والوفاء؛ دافع عن ألوان السويد بكل شرسة وحصد نقاط المباراة، وفي نفس الوقت صان كبرياء تونس برفضه الرقص على آلام خسارتها.
في النهاية، ستبقى لقطة ياسين العياري في كأس العالم الحالية محفورة في أذهان الجماهير. إنها لقطة تلخص كيف يمكن لكرة القدم أن تكون جسراً للسلام والتفاهم؛ حيث يمتزج النشيد الوطني السويدي بسجدة الشكر الإسلامية، وحيث يثبت المهاجر بأنه قادر على أن يكون مواطناً صالحاً ووفياً للبلد الذي احتضنه، دون أن يفقد قطرة واحدة من حبه لوطنه الأصلي.
الرابط المختصر هنا ⬇


