الوطن البديل
الوطن البديل
«الوطن البديل قد يبقيك حيًّا، لكنه لا يمنحك الحياة. هو بالضبط كزوجة الأب؛ مهما بدت حنونة، لا تنسَ أنك من امرأة أخرى».
عبارة نُحتت بإزميل البلاغة والتجربة، أودعها الكاتب والروائي حجي جابر رائعته «سمراويت».
بين «مقيم» و«غريب»
تحكي الرواية عن انشطار شخصية عاشت حياتها منتمية إلى اللامكان، متمثلة في «عمر»، بطل الرواية، الذي وُلد وترعرع وهو يحمل على عاتقه لقب «مقيم»؛ لأنه ليس من أبناء البقعة الجغرافية ذاتها.
ثم ما لبث أن ذهب إلى وطنه الأم، ولما أراد نزع ذلك اللقب عن عاتقه، فوجئ بلباس آخر يتجه نحوه، اسمه «غريب».
جميلة تلك العبارات والكتب التي تجسّد شخصيتك؛ تتأملها فترى ذاتك مهرولة بين السطور.
للتو أدركت ما رمى إليه ما يُروى عن الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: «إنما تُنقض عُرى الإسلام عروةً عروةً إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية».
لن يدرك حقيقة الكلام أعلاه مَن عاش مترفًا بين أحضان بيئته. ومن العسير أن تشرح لأحدهم أنك قد بدأت حياتك في العقد الثالث أو الرابع، أو أنك لم تبدأها بعد؛ لأنك ما زلت تبحث عن ذاتك.
بلد خرجنا منه ولم يخرج منا
قلت ما قلت لأن الثالث والعشرين من سبتمبر هو اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية؛ البلد الذي خرجنا منه، ولم يخرج منا.
وأنا أقلّب ناظريّ في الرايات الخضراء، تكسوها عبارات التوحيد استعدادًا للاحتفالات، قفزت إلى خاطري أبيات للمفكر والشاعر محمد إقبال:
أشواقنا نحو الحجاز تطلعت
كحنين مغترب إلى الأوطانِ
إن الطيور وإن قصصت جناحها
تسمو بفطرتها إلى الطيرانِ
لماذا نشتاق إلى ما تركناه؟
على الجانب الآخر، تساءلت متحيرًا بشأن النفس الإنسانية: لماذا تهفو إلى مَن لا يشاطرها الود، وتزهد فيمن يشرّع لها أبواب فؤاده؟
كأنها قد جُبلت على عشق المستحيلات؛ تستلذ بالقاسي البعيد، بينما تزدري العطوف الحنون لمجرد أنه أقرب إليها من حبل الوريد.
تفكرت مليًّا في ثلة كانت تمنّي نفسها بالخروج من تلك البقعة، وتسعى جاهدة لاقتناص أقرب الفرص وأندرها. ثم لما كان لها ما أرادت، فإذا بها هي ذاتها ترتدي قمصان ذلك البلد وتترنم بألحانه.
تساءلت مجددًا: لمَ كل هذا يا هذا؟ أهي الذكريات الجميلة المخبّأة في مكان ما من الوجدان، أم هو الحب الأعمى غير القابل للتأويل؟
أكان الأمر متعلقًا بمدينة الأعمال، الرياض، أم بعروس البحر، جدة؟ أهو في تراتيل المعتمرين في صحن الطواف بمكة، أم في هجيع المتبتلين بين سواري المدينة المنورة، أم شيء آخر غير ذلك كله؟
سؤال يتجدد كل عام
في كل موعد لليوم الوطني، يتصارع في ذاتي شعور الفرحة مع أسئلة: لماذا؟ من أنت؟ ثم ماذا؟ وما إلى ذلك.
وينتهي اليوم بسلام، فأعد نفسي بأن أضع حدًّا لكل تلك الوساوس. ثم تتعاقب الليالي والأيام حتى يأتي الموعد نفسه من العام التالي، فيبدأ النزال من جديد بين الفرح والتساؤلات، فأقطع الوعد على نفسي مجددًا، وهكذا دواليك.
وإلى أن يأتي اليوم الموعود، سأرفع الدعوات إلى رب البريات أن يرفلَ قاطنو السعودية، وقاطنو سائر بلاد المسلمين، في مزيد من السعة والرخاء. آمين.
الرابط المختصر هنا ⬇


