على خُطى “المسيري”
قبل أيام قلائل من هذا الشهر، حلّت ذكرى مولد المفكر العظيم، والعلَم من أعلام الأمة الإسلامية في العصر الحديث، قلّما جادت الأيام بمثله.
وكما هو منهجي في ترجمة الأعلام، دائمًا ما أحاول تجاوز الأمور المتعارف عليها كمولده ونشأته وشيوخه..الخ.
ليس لعدم جدواها، بل لأني ارتأيت صبّ الجهد في جانب يخدم مقالتي لهذا اليوم، فمن أراد التوسع أكثر، فسيرة الدكتور مبثوثة في كتب الأفاضل وفي كتابه الشخصي عن نفسه: ( رحلتي الفكرية، في البذور والجذور والثمر ).
تزامن عنفوان الشباب لدى الدكتور في فترة الخمسينيات مع المخاض الذي عانته الأمة الإسلامية آنذاك، بدءًا من بسط سيطرة الاستعمار نفوذه على بلده مصر، مرورًا باحتلال فلسطين، وإنتهاءً بتغلغل الأفكار التي طغت على الأجواء كالإشتراكية والرأسمالية.
وفي خصمّ ذلك تشبّع الدكتور بالفكر الماركسي، وأصبح زعيمًا للحزب الشيوعي أيام دراسته الجامعية، مما أدّى إلى اصطدامه بالسلطات وهو ما ساقه إلى ردهات السجون لفترة ليست بالطويلة.
بعد ذلك، يمّم المسيري وجهه شطر المحيط نحو بلاد العم سام، لاستكمال ما بدأه في الأدب الانجليزي، فنال درجة الدكتوراه عام 1969 ميلادية.
ما قادني إلى إكبار الدكتور وتقديره أنه، على الرغم من هذه الرحلة الطويلة المصبوغة في رحاب الفكر الغربي، إلاّ أنه لم ينفكّ عن عروبته ووطنيته، بل وأصبح مناصرًا لحقوق المسلمين عامةً والقضية الفلسطينية خاصة.
من جميل ما أُثر عنه قوله: الظاهرة الصهيونية ظاهرة استعمارية استيطانيّة إحلاليّة، ومقاومة العرب لها لا تختلف عن مقاومة الشعوب المقهورة للمستوطنين الغزاة، وهذه المقاومة ليست إرهابًا وإنما هي فعل من أفعال المقاومة.
وقال ناصحًا ومحذرًا أمته: من لا يملك مشروعًا حضاريًا يتقدم بخطى حثيثة إلى مزبلة التاريخ.
ومن باب قولهم: (ومن الذي تُرضى سجاياه كلها) فقد أُخِذَ على الدكتور بعض الأمور من أهمها؛ تعاطيه الطويل مع الفكر المهيمن الغالب كما أسلفت، جعل النُقاد في حرج في تصنيفه بأنه مفكر ينتمي إلى التيار الإسلامي، إذ خلَت كتاباته من آيات القرآن العظيم والأحاديث الشريفة لا من قريبٍ ولا من بعيد.
فإن كان المشروع الذي أنفق عمره في تحصيله (اليهود وأفكارهم) فقد تحدث القران عنهم، وقد كان لهم -أي اليهود- حضور في حياة النبي عليه الصلاة والسلام وصاحبته من بعده.
فعدم إيراده الأفكار والحلول التي قدمها الدين الحنيف في هذه المسألة، وتركيزه في الحلول الإمبريالية والقومية وما شابهها فقط، جعل محبيه في حِيرة من أمرهم.
ومن المآخذ أيضًا ما ذكره الباحث المدقق عبد الله الهدلق، في أنّ نتاج الدكتور، الذي قارب الـ(٥٠) مؤلّفًا، كان يمكن اختصاره في بضعة عشر مؤلّفًا فقط، لوجود التكرار المُمل فيها.
رحم الله العالم المفكر عبد الوهاب المسيري الذي ترك وراءه ترسانة معرفية أعادت هندسة العقل العربي في تعاطيه مع القضية الفلسطينية؛ فلم يعد الدفاع عنها مجرد حماس عابر، بل علم مُحكم، وتفكيك منطقي لكل سرديات الاستعمار الزائفة.
الرابط المختصر هنا ⬇


