العرب في بريطانيا | الصهيونية.. من حركة قومية يهودية إلى مشروع استي...

الصهيونية.. من حركة قومية يهودية إلى مشروع استيطاني ودولة احتلال

Copyright: Ted Eytan, Creator: Ted Eytan
رنيم شلطف أكتوبر 7, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

بدأت الصهيونية في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر بوصفها حركة قومية يهودية حديثة، سعت إلى تحويل فكرة الارتباط التاريخي والديني بفلسطين إلى مشروع سياسي يهدف إلى إقامة وطن قومي لليهود، ثم تطورت إلى حركة منظمة امتلكت مؤسساتها وأدواتها وشبكاتها الدولية.

ومع مرور الوقت، انتقلت الصهيونية من فكرة سياسية إلى مشروع استيطاني على الأرض الفلسطينية، مستفيدة من الدعم البريطاني خلال فترة الانتداب، قبل أن يرتبط قيام دولة الاحتلال عام 1948 بالنكبة وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين.

من فكرة دينية إلى مشروع سياسي

يرتبط مصطلح الصهيونية بكلمة «صهيون»، وهي تسمية ذات جذور دينية وتاريخية في التراث اليهودي، ارتبطت بالقدس وأصبحت رمزًا لفلسطين في الخطاب الصهيوني لاحقًا. ولا تعني هذه التسمية بحد ذاتها أن فلسطين كانت «أرضًا لليهود»، وإنما تعكس حضور القدس وفلسطين في الذاكرة والمعتقد الديني اليهودي.

لكن تحويل هذا التطلع إلى مشروع قومي سياسي كان ظاهرة حديثة ارتبطت بصعود القوميات الأوروبية خلال القرن التاسع عشر، وبالاضطهاد ومعاداة السامية اللذين تعرض لهما اليهود في مناطق مختلفة من أوروبا.

وشكلت موجات العنف والاضطهاد، ولا سيما المذابح التي استهدفت اليهود في الإمبراطورية الروسية، أحد العوامل التي دفعت مفكرين وجماعات يهودية إلى الدعوة لإنشاء وطن قومي لليهود.

وفي ثمانينيات القرن التاسع عشر، ظهرت جماعات مثل «أحباء صهيون»، التي شجعت الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين، التي كانت آنذاك جزءًا من الدولة العثمانية.

وهكذا بدأت الصهيونية الحديثة تتشكل عند تقاطع عاملين: روابط دينية وتاريخية يهودية قديمة بفلسطين، وتجربة حديثة من الاضطهاد دفعت بعض اليهود إلى البحث عن حل قومي وسياسي لما سُمي آنذاك «المسألة اليهودية».

تيودور هرتزل.. مؤسس الصهيونية السياسية

Theodor Herzl retouched, Israel — PICRYL - Public Domain Media Search Engine
تيودور هرتزل

يُعد الصحفي والكاتب اليهودي النمساوي تيودور هرتزل أبرز مؤسسي الصهيونية السياسية الحديثة.

واكتسبت قضية الضابط الفرنسي اليهودي ألفرد دريفوس أهمية خاصة في تطور أفكار هرتزل. فقد اتُّهم دريفوس بالخيانة عام 1894 في قضية اتسمت بأجواء قوية من معاداة السامية، قبل أن تثبت براءته لاحقًا.

وفي عام 1896 نشر هرتزل كتابه «الدولة اليهودية»، الذي طرح فيه إنشاء دولة يهودية باعتباره حلًا سياسيًا لما اعتبره مشكلة معاداة السامية وعدم قدرة اليهود على الاندماج الكامل في المجتمعات الأوروبية.

وبعد عام، عقد هرتزل المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية عام 1897، لتتحول الصهيونية إلى حركة سياسية دولية ذات مؤسسات وأهداف أكثر وضوحًا.

وحدد المؤتمر هدف الحركة في إنشاء «وطن للشعب اليهودي» في أرض فلسطين، يكون معترفًا به ومضمونًا بموجب القانون.

ومنذ ذلك الوقت، بدأت الحركة الصهيونية في بناء مؤسسات سياسية واقتصادية واجتماعية لدعم الهجرة اليهودية إلى فلسطين وإنشاء المستوطنات وتطوير مجتمع يهودي منظم فيها.

لماذا اختارت الصهيونية فلسطين؟

كان اختيار فلسطين جزءًا جوهريًا من الفكر الصهيوني، بسبب المكانة التي احتلتها في الذاكرة الدينية والتاريخية اليهودية.

لكن المشروع الصهيوني لم يكتفِ بإحياء ارتباط ديني أو ثقافي بفلسطين، بل سعى إلى تحويل هذا الارتباط إلى وجود سياسي دائم على الأرض.

ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، شجعت المؤسسات الصهيونية الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وأسست مستوطنات ومؤسسات اقتصادية واجتماعية، وسعت إلى إنشاء مجتمع يهودي منظم قادر على تشكيل أساس لدولة مستقبلية.

وهنا انتقلت الصهيونية من سؤال نظري حول المكان الذي يمكن أن يعيش فيه اليهود كجماعة قومية، إلى مشروع استيطاني يهدف إلى إقامة مجتمع قومي يهودي على أرض فلسطين، وما رافق ذلك من احتلال الأرض وتهجير السكان الفلسطينيين.

وعد بلفور.. التحول الكبير

Postcard with the Balfour Declaration — PICRYL - Public Domain Media Search  Engine
وعد بلفور

شكّل عام 1917 محطة رئيسية في تاريخ الصهيونية.

ففي 2 تشرين الثاني/نوفمبر من ذلك العام، أعلنت الحكومة البريطانية في «وعد بلفور» تأييدها لإنشاء «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين، مع النص على ألا يؤدي ذلك إلى الإضرار بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة فيها.

ومع انتهاء الحكم العثماني، أصبحت بريطانيا صاحبة الانتداب على فلسطين، ونص صك الانتداب على مسؤوليتها عن تنفيذ الالتزامات المرتبطة بوعد بلفور.

وخلال فترة الانتداب البريطاني، ارتفعت أعداد المهاجرين اليهود إلى فلسطين، وتوسعت المؤسسات الصهيونية.

من الحركة إلى الدولة

في عام 1947، أوصت الجمعية العامة للأمم المتحدة بتقسيم فلسطين إلى دولة عربية ودولة يهودية، مع وضع القدس تحت نظام دولي خاص.

وبعد انتهاء الانتداب البريطاني، أعلن ديفيد بن غوريون قيام دولة «إسرائيل» في أيار/مايو 1948.

ومن منظور تاريخ الصهيونية، كان ذلك تحولًا جذريًا: فقد حققت الحركة هدفها الأساسي المتمثل في إقامة دولة يهودية، وانتقلت من حركة تسعى إلى تأسيس الدولة إلى أيديولوجيا مرتبطة بدولة قائمة.

لكن قيام دولة الاحتلال ارتبط أيضًا بالنكبة، وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من مدنهم وقراهم، والاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي والممتلكات الفلسطينية. وتتناول دراسات أكاديمية هذا الانتقال باعتباره مرحلة مركزية في تطور المشروع الاستيطاني الصهيوني.

هل الصهيونية تيار واحد؟

What Zionism Is and What It Is Not - Anti-Israelism, SPME in the Media -  SPME Scholars for Peace in the Middle East

لا توجد صهيونية واحدة متطابقة في كل أفكارها.

فمنذ بدايات الحركة ظهرت تيارات مختلفة، من بينها:

الصهيونية السياسية: ارتبطت بهرتزل، وركزت على العمل السياسي والدبلوماسي للحصول على اعتراف دولي بالدولة اليهودية.

الصهيونية العمالية: ربطت المشروع الصهيوني بالعمل الزراعي والاستيطان الجماعي، وكان لها تأثير كبير في بناء مؤسسات المجتمع اليهودي قبل قيام دولة الاحتلال.

الصهيونية التنقيحية: ارتبطت بفلاديمير جابوتنسكي، وتبنت رؤية أكثر تشددًا بشأن القوة العسكرية وحدود الدولة والمشروع القومي اليهودي.

الصهيونية الدينية: مزجت بين القومية اليهودية والمعتقدات الدينية، وأصبحت أكثر تأثيرًا في السياسة الإسرائيلية، خصوصًا مع صعود التيارات الدينية والقومية المؤيدة للاستيطان.

ولهذا فإن الحديث عن «الصهيونية» يجب ألا يعني تلقائيًا تيارًا سياسيًا واحدًا، بل أيديولوجيا واسعة تضم اتجاهات مختلفة ومتعارضة أحيانًا.

ومع احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية عام 1967، أصبح الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة أحد أبرز الملفات التي تكشف الاختلاف بين التيارات الصهيونية.

الصهيونية الدينية والاستيطان

اكتسبت الصهيونية الدينية أهمية متزايدة في العقود التي تلت قيام دولة الاحتلال.

وترى بعض التيارات المنضوية تحتها أن السيطرة اليهودية على أجزاء من فلسطين ترتبط، إلى جانب الاعتبارات السياسية، بمعتقدات دينية حول الأرض.

وساعد هذا التيار في تحويل الاستيطان من مشروع جغرافي وسياسي إلى مشروع يحمل لدى أنصاره معنى دينيًا وقوميًا في الوقت نفسه.

ولهذا أصبحت الصهيونية الدينية من أهم التيارات لفهم التوسع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خصوصًا في الضفة الغربية.

هل كل اليهود صهاينة؟

Free Palestine | Orthodox Jews protesting against Israel's o… | Flickr

لا.

هذه نقطة أساسية لفهم الصهيونية دون الخلط بينها وبين اليهودية.

فاليهودية ديانة، بينما الصهيونية حركة سياسية حديثة. وقد عارض يهود كثيرون الصهيونية تاريخيًا، لأسباب دينية ترى أن إقامة دولة يهودية يجب ألا تتم قبل مجيء المسيح، أو لأسباب سياسية ترى أن القومية اليهودية ليست الحل لمعاداة السامية.

كما أن مواقف اليهود من الصهيونية اليوم متنوعة؛ فهناك مؤيدون لها، ومعارضون لها، وأشخاص يهود ينتقدون سياسات دولة الاحتلال مع بقائهم مؤيدين لفكرة الدولة اليهودية، وآخرون يرفضون الصهيونية من أساسها.

لذلك لا يصح تحويل موقف سياسي من الصهيونية إلى حكم على اليهود عمومًا.

كما أن انتقاد الصهيونية أو سياسات دولة الاحتلال لا يعني تلقائيًا معاداة السامية، كما أن استهداف اليهود أو تحميلهم جماعيًا مسؤولية أفعال دولة الاحتلال يمثل أمرًا مختلفًا تمامًا.

الصهيونية اليوم

لا تقتصر الصهيونية اليوم على كونها حركة تاريخية، بل ما تزال أيديولوجيا حاضرة في السياسة الإسرائيلية، وترتبط ممارساتها بالاحتلال والاستيطان وتهجير الفلسطينيين والفصل العنصري.

وفي بريطانيا، تصاعد الجدل حولها مؤخرًا بعدما تبنى حزب الخضر في إنجلترا وويلز سياسة تعتبر الصهيونية شكلًا من أشكال العنصرية، وربط فيها بين ممارساتها وبين تهجير الفلسطينيين وتجريدهم من ممتلكاتهم وحقوقهم.

المصادر: الموسوعة الأميركية للمحرقة، موسوعة بريتانيكا، الأمم المتحدة، محكمة العدل الدولية، جامعة كامبريدج، مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

↑