عليكم أن تخسؤوا وتبوؤوا بشسع نعل كُليب
لا، ولم، ولن، وجميع أدوات النفي النهي، أن أسمح لقلمي بالسير في سراديب السياسة، ولفكري بالخوض في كواليس أروقة الأمم المتحدة وما كان لي ذاك؛ أولًا ؛ لأني أبعد الناس عنها وأكثرهم بُغضًا لها، وثانيًا ؛ لنشأتي في بيئة تتوجس من كل ماهو متعلق بها، لذلك أصبحت لا أبالي بأي وادٍ هلك أربابها.
وجدير بالذكر القول إن ما نراه اليوم من السياسة لا يُمثل إلاّ رأس الجبل وحسب؛ فالكثير من الأمور والخفايا صفحات التاريخ وحدها كفيلة بإظهارها. في السياسة الكثير من الكلمات الغير مقصودة مقصودة، والابتسامات العابرة ما هي إلاّ عبوّات مفخخة.
والأشد من هذا وذاك، ويا للأسف، أن الحادثة وقعت بين بلديين عربيين مسلمين، تحاكما إلى غير المسلم حتى يفصل بينهما، وهذه، -لعمري- حادثة يندى لها جبين التاريخ، ولو كان شاعر الأندلس ابو البقاء الرندي حيًّا لأدخلها في مرثيته: لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ.
ولأني قطعت العهد على نفسي أن أسير بين الناس على مبدأ (خذ الثمرة واترك الشجرة)، استوقفتني العبارة التي ذيّل بها مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير الحارث، إدريس، وهو يولّي وجهه شطر منسوبي دولة الإمارات، بصوتٍ يسكنه الغضب: عليكم أن تخسؤوا وتبوؤوا بشسع نعل كُليب.
العبارة التي استدعاها السفير تعود بالأذهان إلى عصر ما قبل الإسلام، لما قُتل كُليب (سيد قبيلة تغلب)، على يد جساس بن مُرة، اندلعت على اِثر هذه الحادثة حرب بين قبيلتي “بكر”و ” تغلب” سُميت بحرب البسوس، ولم تُبقِ ولم تذر، دامت لأكثر من أربعين عامًا.
العبارة تعود إلى المهلهل بن ربيعة، -أخي كُليب- لما رأى الخصم بين قتيل وجريح، فأطلق مقولته الشهيرة التي تغنّى بها السفير في أروقة الأمم المتحدة. والمعنى أن قتلاكم يا قبيلة “بكر” لا يُساوون عندي الخيط الذي يربط به أخيه نعله.
العبارة التي قيلت على حين غفلةٍ من أهلها، جرَت بين الناس، وكُتب لها القبول بين المتخاصمين، وتحولت إلى شفرة بلاغية لتصغير الآخرين.
قلت: ما أجمل أن نرى لغتنا تحتل مكانها المعهود بعد أن دنسها المتمردون المتأمركون، وخلطوها مع غيرها ( عربيزي ) أو ما بات يُعرف بالعرنجية وهو مصطلح يعني إقحام كلمات من لغات أخرى معها في ذات الجملة ، وكأن اللغة التي وسعت كلام الله عاجزة عن ايجاد المعنى المناسب .
لغتنا العربية كنز لمن يُحسن اقتناءه، لغة عزيزة لا تستجيب إلاّ لمن يُناجيها بحب، ويتلهف إليها بشوق، والوفاء الحقيقي لها اليوم يتجلى في توطينها في كافة المجالات، بما فيها الذكاء الاصطناعي حتى لا تغدو حبيسة الشعر والقصص وحسب، وكما أنشد شاعر النيل حافظ إبراهيم متغنيًا بها:
أنا البحر في أحشائه الدُّرُّ كامنٌ
فهل سألوا الغوّاص عن صدفاتي؟
الرابط المختصر هنا ⬇


