العرب في بريطانيا | معشوقتي العربية وضغطة الزر! - العرب في بريطانيا...

1445 ربيع الأول 15 | 30 سبتمبر 2023

معشوقتي العربية وضغطة الزر!

معشوقتي العربية وضغطة الزر!
تقى أبو راضي September 13, 2023

ظهر على مُحَيَّاه منذ اللحظة الأولى في حلقة بودكاست بيغ بين أرابيا شغفه بما يقول، وبصنيعه في حياته وحياة ابنه. الطبيب إسحاق العوري، الذي يراقب الحياة لكي يختار ما يراه مناسبًا له ولأسرته، كان مِجهره هذه المرة مُصَوَّبًا نحو جزيئات تجري فينا مجرى الدم كل يوم، ولكننا لا نكاد ندركها في كثير من الأحيان! تلك الجزيئات ليست في مقررات الطب التي درسها الدكتور إسحاق طيلة أيام دراسته، بل هي في مقررات الحياة، التي أشغلت باله وتفكيره في واقع الحال الذي نتجاهله في كثير من الأحيان.

واقع الحال في بريطانيا في نظر الدكتور إسحاق يقول: لماذا نرى طفلًا إسبانيًّا أو سويديًّا أو فرنسيًّا أو ألمانيًّا في بريطانيا يتحدث مع أبيه بلغته السويدية -على سبيل المثال- ومع أمه بلغتها الإسبانية، ثم يذهب الطفل ذاته إلى مدرسته الإنجليزية، فتجده يتحدث الإنجليزية مع أقرانه في المدرسة، دون أن يشكو أو يتذمر هو أو أحد أفراد أسرته؟! لِمَ لا نجد ذلك في أسر عرب بريطانيا؟! إذ يلجأ كثير من الأهالي العرب للتحدث باللغة الإنجليزية داخل منازلهم بحجة تقوية لغة أطفالهم لتحسين أدائهم في المدرسة. وهو ما يفسره العوري بأنه ضياع للهُوِية!

محبة اللغة العربية رغم التنشئة الأجنبية!

يسارع الدكتور إسحاق للرد على الذين يدّعون أن احتياجات الجيل القديم تختلف عن احتياجات الجيل الحالي، مبررين بذلك عزوفهم عن اللغة العربية وأنها ليست من أولويات الجيل الحالي. ويرى العوري أن هذا الافتراض لا يمُتّ إلى الواقع بصلة؛ فهو شخصيًّا تعلّم في مدرسة فرنسية منذ صغره في الأردن. وكان كل من حوله غير حريص على اللغة والتمسك بالهُوِية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى تحصيله الجامعي الذي كان باللغة الإنجليزية، وإقامته وعمله في بريطانيا لسنوات طويلة. كل تلك الأسباب كانت كافية لعدم اهتمام الدكتورة إسحاق بهُوِيته العربية. غير أن نداءً داخليًّا مُلِحًّا أوحى إليه بأن اللغة لا بد أن تكون جزءًا من هُوِية الإنسان وانتمائه!

لحظة اتخاذ القرار!

بعد أن رُزِق الدكتور إسحاق بابنه ريّان، وأدرك في لحظة ما أن ريّان بدأ يسير باتجاه الحديث باللغة الإنجليزية، أخبر زوجته أم ريان بأنهما بحاجة إلى تغيير بعض عاداتهما؛ لمساعدة ريّان على إتقان اللغة العربية، وأن ذلك لن يتحقق بالتحدث معه باللهجة العامية فحسب، بل بالغوص في أعماق العربية الفصحى كذلك. الزوجة ظنَّت الأمر شبه مستحيل في البداية، ولكنها عندما رأت ريّان بدأ يتجاوب مع والده باللغة العربية الفصحى، ساورها قلق من أن يصبح هذا مُربكًا لريّان عندما يذهب في العطلة إلى زيارة الأقارب ويجد متحدثي لغته الأم لا يتحدثون الفصحى بل العامية، وربما يصبح مثارًا للانتقاد والسخرية، وهو أمرٌ ليس غريبًا في مجتمعاتنا العربية!

ففكَّر الدكتور إسحاق ونظر مليًّا في هذه المسألة، ثم توصل إلى حل معقول، وهو أن يترك أم ريّان تتحدث مع ريّان باللهجة العامية، وأن يلتزم هو بالفصحى معه، على اعتبار أنهما لغتان مختلفتان، وهما كذلك إلى حدٍّ كبير!

ضغطة الزر!

معشوقتي العربية وضغطة الزر!
عرب بريطانيا واللغة العربية (أنسبلاش)

منذ لحظة اتخاذ القرار لم يتوانَ الدكتور إسحاق في البحث عن كتب ومناهج وتطبيقات ترشده إلى الطريقة المُثلى التي يستطيع بها تعلم اللغة العربية على أصولها، وتساعده على تلقين ابنه إياها بما يناسب عمره ومداركه العقلية، مثل تطبيق “هدهد”.

وهنا حدثت المفاجأة، وتعجّب الدكتور إسحاق وزوجته من قدرة ريّان المذهلة على التبديل بين اللغة الفصحى والعامية حين يتبادل أطراف الحديث معهما في الوقت نفسه! فأدركا أن الطفل بمقدوره أن يستقبل أوامر الدماغ بسرعة غير متوقعة، ما يجعله يستخدم اللغات تلقائيًّا كـ”ضغطة الزر!”، فيجيب ويتفاعل ويُنصِت دون أن يؤثر ذلك في استجابته البتَّةَ، بل يجعلها أكثر فاعلية. كان الأمر أشبه باكتشاف كنز نفيس لا يُقدَّر بثمن بالنسبة إلى الدكتور إسحاق، ما رغَّبه بتوسيع نطاق التجربة بين الأطفال المحيطين بريّان، فأنشأ وَحدَه ما يُشبه النادي في منزله، وخصَّص فيه غرفة يستقبل فيها الأطفال أيام العطلة، وهناك يقرأون ويلعبون ويمارسون أنشطة ممتعة، يتخللها الحديث باللغة العربية الفصحى طوال الوقت. وبهذا اتسعت دائرة التجربة إلى أن أصبحت مشروعًا بالنسبة إليه.

هذه المفاجأة لم تقتصر على بيئة الدكتور إسحاق بين عرب بريطانيا، بل تعدّت ذلك إلى الأردن، حيث لاحظ الجميع هناك أن ريّان عندما استقبل والده حين عاد من المطار فجأة، قال له: كيف حالك يا أبي؟ اشتقتُ إليك! فخيّم الصمت على الجميع، ثم تجمّع أطفال الأسرة حول ريّان الذين يرتادون في الغالب مدارس “إنترناشونال”، وسألوه: كيف فعلت ذلك؟! وكأنه أصبح في نظرهم الرجل الخارق “سوبر مان” بطريقةٍ أو بأخرى!

مسؤولية العرب المغتربين تجاه لغتنا الأم

معشوقتي العربية وضغطة الزر!
الدكتور إسحاق في بريطانيا في مقابلة على بودكاست بيغ بن آرابيا (بيكساباي)

لا يرى الدكتور إسحاق أن ممارسة اللغة العربية مع ابنه يوميًّا أمرًا هامشيًّا، بل يراه من أهم واجباته، التي لا بدّ أن يدركها كل أب وأم رُزِقا بطفل ويتحتّم عليهما الاهتمام بشؤون ذلك الطفل. وهذا الواجب شأنه كشأن الواجبات الأخرى من رعاية وتدريس وغرس للقيم المبادئ. وهذا الواجب هو غرس الهُوية؛ فطفل بلا هُوِية، هو شخص ضائع حيران، لا يدري مَن سَلَفُه ولا يعرف تاريخ بلاده، ولا يستطيع تحديد وجهته في الحياة. ويعني هذا أن تكون اللغة جزءًا لا يتجزأ من الثقافة والمعرفة والمبادئ والقيم والأخلاق لدى الطفل.

يقول الدكتور إسحاق: ما دمنا اخترنا العيش خارج بلادنا، فلا بد أن نتحمل مسؤولية غرس الهُوِية العربية في أطفالنا. اِصحَبهم إلى الملعب، وعلِّمهم كلمات مثل: “كرة” و”ملعب” و”تسديد” و”هدف” و”اركل” و”مرمى”. فالأمر ليس معقَّدًا، ولا سيما إن جعلناه إحدى عاداتنا اليومية.

هذا ولا ينسى الدكتور إسحاق اللحظة التي سأله فيها ريّان: ما دمنا عربًا، فلِمَ نعيش في بريطانيا؟! لِمَ لا نعود إلى بلادنا العربية، ومتى سيتحقق ذلك؟! وبعد أن نقل الدكتور إسحاق هذه الكلمات على لسان ابنه ريان، صمت لحظات، ثم قال: سؤال مثل هذا يجعلك تفكر مليًّا!

 


اقرأ أيضًا: