العرب في بريطانيا | الإرهاب بين حقيقة التهديد وسلاح الوصم السياسي |...

الإرهاب بين حقيقة التهديد وسلاح الوصم السياسي

الإرهاب بين حقيقة التهديد وسلاح الوصم السياسي
صبا الشريف أكتوبر 14, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

يُعد الإرهاب من أكثر المصطلحات حضورًا في الأخبار والخطابات السياسية، خصوصًا عند وقوع هجمات عنيفة أو اندلاع نزاعات مسلحة. لكن استخدام المصطلح لا يقتصر دائمًا على وصف أفعال محددة؛ فقد يتحول أحيانًا إلى اتهام سياسي أو وسيلة لوصم أفراد وجماعات بسبب هويتهم أو معتقداتهم، حتى من دون أدلة تثبت تورطهم في أعمال عنف.

وتكمن أهمية فهم المصطلح في التمييز بين مواجهة الإرهاب بوصفه تهديدًا حقيقيًا، وبين توظيفه بطريقة تخلط بين المسؤولية الفردية والانتماء الجماعي، فكيف يُعرّف الإرهاب؟ ولماذا لا يوجد تعريف دولي موحّد له؟ وما الذي يجعل استخدامه مسألة قانونية وسياسية وإعلامية في آن واحد؟

ما المقصود بالإرهاب؟

يُستخدم مصطلح الإرهاب عمومًا للإشارة إلى أعمال عنف أو تهديدات تهدف إلى بث الخوف والتأثير في الحكومات أو المجتمعات لتحقيق أهداف سياسية أو أيديولوجية، لكن هذا المعنى العام لا يكفي وحده لتحديد ما إذا كان فعل معين يندرج قانونيًا ضمن الإرهاب.

فقد تتشابه بعض الأفعال من حيث طبيعتها، بينما تختلف ظروف وقوعها والأهداف المرتبطة بها والقوانين التي تنطبق عليها. لذلك، يتطلب تحديد الوصف القانوني النظر في الوقائع والأدلة، بدل الاكتفاء بالانطباعات أو التسميات التي تستخدمها الأطراف المعنية.

لماذا لا يوجد تعريف دولي موحّد؟

الإرهاب بين حقيقة التهديد وسلاح الوصم السياسي
خلافات دولية تعرقل الاتفاق على تعريف شامل للإرهاب. (AI)

على الرغم من اتفاق الدول على تجريم أفعال عديدة مرتبطة بالإرهاب، لم تتوصل الأمم المتحدة إلى تعريف قانوني شامل يحظى بإجماع دولي.

واعتمد المجتمع الدولي اتفاقيات تتناول أفعالًا محددة، مثل التفجيرات الإرهابية وخطف الطائرات وتمويل الإرهاب وأخذ الأشخاص رهائن. لكن الخلافات بشأن نطاق المصطلح وعلاقته بالنزاعات المسلحة وحركات التحرر حالت دون الاتفاق على تعريف شامل واحد.

ولا يعني ذلك أن الإرهاب لا يخضع للقانون الدولي، أو أن الأفعال العنيفة لا يمكن محاسبة مرتكبيها، فهناك قواعد واتفاقيات تجرّم أفعالًا محددة، إلى جانب قوانين وطنية تحدد الجرائم والعقوبات وفق الأنظمة القانونية لكل دولة.

كيف يعرّف القانون البريطاني الإرهاب؟

في بريطانيا، يحدد قانون الإرهاب لعام 2000 المعايير القانونية التي يُستند إليها في تصنيف الأفعال الإرهابية.

ويشمل التعريف استخدام العنف الخطير ضد الأشخاص، وإلحاق أضرار جسيمة بالممتلكات، وتعريض حياة الآخرين للخطر، وخلق مخاطر جسيمة على سلامة الجمهور، أو تعطيل الأنظمة الإلكترونية بصورة خطيرة، وفق الشروط الواردة في القانون.

ويربط القانون هذه الأفعال بأهداف محددة، منها التأثير في الحكومة أو تخويف الجمهور، بغرض تحقيق قضية سياسية أو دينية أو عرقية أو أيديولوجية، مع أحكام خاصة لبعض الأفعال التي تستخدم الأسلحة النارية أو المتفجرات.

ومع ذلك، يجب التمييز بين تصنيف تصدره جهة رسمية، واتهام يُوجَّه إلى شخص أو جماعة، وحكم قضائي يثبت المسؤولية عن جريمة. فمجرد إطلاق وصف “إرهابي” لا يُعد بحد ذاته دليلًا على ارتكاب جريمة.

كيف يُساء استخدام المصطلح؟

الإرهاب بين حقيقة التهديد وسلاح الوصم السياسي
اتهامات الإرهاب قد تتحول إلى وصم وتمييز جماعي. (AI)

تظهر إحدى أبرز مشكلات المصطلح عندما يتجاوز وصف فعل محدد ليصبح حكمًا على هوية أشخاص أو جماعات بأكملها.

فقد يؤدي ربط الإرهاب بدين أو قومية أو خلفية عرقية معينة إلى تحميل أفراد مسؤولية أفعال لم يرتكبوها، وإلى ترسيخ صور نمطية تجعل الانتماء وحده سببًا للاشتباه أو التمييز.

وقد حذّر خبراء أمميون من الممارسات الأمنية التي تستند إلى افتراضات نمطية بشأن العرق أو الأصل القومي أو الدين عند تحديد الأشخاص المشتبه فيهم، لما تثيره من مخاوف تتعلق بالتمييز والحقوق الأساسية.

ولا يقتصر هذا الخطر على جماعة أو مجتمع بعينه؛ إذ يمكن أن يتعرض أفراد من خلفيات مختلفة للوصم عندما تُستخدم الاتهامات الأمنية لتعميم الشبهة أو إقصاء الخصوم. كما قد تُستغل قوانين مكافحة الإرهاب في بعض السياقات لتقييد المعارضة السياسية أو النشاط المدني السلمي.

لكن سوء استخدام المصطلح في بعض الحالات لا يعني أن كل اتهام بالإرهاب غير صحيح، بل يعني ضرورة فحص كل حالة على حدة، والتمييز بين الأدلة والادعاءات والتوصيفات السياسية.

الإرهاب والمقاومة والنزاعات المسلحة

يصبح استخدام المصطلح أكثر حساسية عند تغطية الاحتلال والنزاعات المسلحة، إذ قد تستخدم أطراف الصراع أوصافًا مختلفة للأفعال نفسها، وفق مواقفها وأهدافها السياسية.

لكن التقييم القانوني لا يتوقف على الاسم الذي يختاره أي طرف؛ فتسمية جماعة بأنها حركة مقاومة لا تبرر جميع أفعالها، كما أن وصفها بالإرهاب لا يعفي الجهات التي تتهمها من ضرورة إثبات الوقائع وتحديد القواعد القانونية المنطبقة.

ويحظر القانون الدولي الإنساني استهداف المدنيين عمدًا، والهجمات العشوائية، وأخذ الأشخاص رهائن، والأعمال التي يكون غرضها الأساسي نشر الرعب بين السكان المدنيين. وتسري هذه القواعد على أطراف النزاع وفق الأحكام ذات الصلة، بصرف النظر عن أهدافها السياسية.

ومن هنا، يجب التمييز بين الاحتجاج السلمي والعمل السياسي والنزاع المسلح والأفعال التي تنتهك القانون؛ فوجود قضية سياسية أو وطنية لا يبرر استهداف المدنيين، كما لا يجوز استخدام توصيفات عامة بديلًا عن الفحص القانوني لكل فعل.

مسؤولية الإعلام في استخدام المصطلح

الإرهاب بين حقيقة التهديد وسلاح الوصم السياسي
التحقق من الاتهامات أساس التغطية الإعلامية المهنية. (AI)

تلعب وسائل الإعلام دورًا أساسيًا في تشكيل فهم الجمهور للإرهاب، بدءًا من اختيار العنوان وصولًا إلى وصف الأشخاص والجماعات الواردة في التغطية.

فعندما يُقدَّم اتهام غير مثبت بوصفه حقيقة، أو يُربط فعل ارتكبه أفراد بمجتمع كامل، قد تتحول التغطية من نقل الوقائع إلى ترسيخ الوصم والتمييز.

ولهذا، تقتضي المعالجة الصحفية المهنية تحديد مصدر الاتهام، والتمييز بين الادعاء والحقيقة المثبتة، وتوضيح ما إذا كان التوصيف صادرًا عن جهة حكومية أو قضائية أو منظمة دولية. كما ينبغي تجنب التعميم على أساس الدين أو العرق أو الجنسية أو الموقف السياسي.

ولا تعني الموضوعية تجاهل الأدلة أو مساواة جميع الروايات، بل التحقق من المعلومات، ونسب التصريحات إلى أصحابها، ووضع الأحداث في سياقها القانوني والإنساني.

مواجهة الإرهاب من دون وصم المجتمعات

تتطلب مكافحة الإرهاب حماية الناس من العنف، لكنها تتطلب أيضًا حماية حقوقهم من الإجراءات التعسفية والتمييز. فالأمن وسيادة القانون ليسا هدفين متعارضين؛ بل إن الالتزام بالقانون يساعد على ضمان أن تستند الإجراءات الأمنية إلى أسباب واضحة وأدلة، لا إلى افتراضات تتعلق بهوية الأشخاص.

ويبدأ الاستخدام المسؤول للمصطلح بالتمييز بين الفعل ومرتكبه، وبين الفرد والمجتمع الذي ينتمي إليه، وبين الاتهام والإدانة. كما يتطلب عدم تحويل الخلاف السياسي أو الديني إلى مبرر للوصم أو التحريض.

فالإرهاب مصطلح ذو تبعات قانونية وسياسية واجتماعية كبيرة، ولذلك ينبغي ألا يُستخدم بلا تدقيق. ومواجهة العنف بفاعلية تبدأ بتحديد الوقائع والمسؤوليات بدقة، مع الحفاظ على حقوق الأفراد وكرامتهم، وعدم تحميل المجتمعات بأكملها مسؤولية أفعال لم ترتكبها.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

↑