العرب في بريطانيا | إد ميليباند.. من هزيمة 2015 إلى وزارة الخارجية ...

إد ميليباند.. من هزيمة 2015 إلى وزارة الخارجية البريطانية

إد ميليباند الصورة بواسطة: Arbeiderpartiet عبر Flickr / رخصة: CC BY-ND 2.0
رنيم شلطف سبتمبر 5, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

قبل أحد عشر عامًا، وقف إد ميليباند أمام أنصار حزب العمال معلنًا تحمّله مسؤولية الهزيمة في الانتخابات العامة، ومستقيلًا من قيادة الحزب. في ذلك الوقت، بدا أن مسيرته في الصف الأول من السياسة البريطانية قد انتهت، وأن الرجل الذي أخفق في الوصول إلى رئاسة الحكومة سيقضي ما تبقى من حياته السياسية نائبًا بعيدًا عن دائرة القرار.

لكن ميليباند لم يغادر البرلمان، ولم يختفِ من المشهد السياسي. عاد أولًا من بوابة المناخ والطاقة، ثم أعاد بناء حضوره تدريجيًا، قبل أن يصل في يوليو 2026 إلى وزارة الخارجية في حكومة آندي بيرنهام، ليتولى واحدًا من أهم المناصب السيادية في بريطانيا.

هذه العودة لا تجعل إد ميليباند وجهًا جديدًا في الحكومة، بل سياسيًا مخضرمًا يبدأ فصلًا ثالثًا من مسيرته، بعدما اختبر الحكم والمعارضة والزعامة والهزيمة، ثم أعاد بناء صورته السياسية وصولًا إلى وزارة الخارجية.

من هو إد ميليباند؟

الصورة بواسطة: EdMiliband عبر Flickr / رخصة: CC BY 2.0

وُلد إدوارد صامويل ميليباند في لندن عام 1969، ونشأ في أسرة يهودية أوروبية ارتبط تاريخها بالحرب العالمية الثانية واللجوء والنشاط السياسي.

كان والده رالف ميليباند أكاديميًا ماركسيًا بارزًا فرّ من بلجيكا بعد الغزو النازي، بينما كانت والدته ماريون كوزاك يهودية بولندية نجت من الهولوكوست، ثم أصبحت لاحقًا ناشطة في قضايا العدالة والسلام وحقوق الأطفال.

وعُرفت والدته كذلك بانتقادها سياسات الحكومات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، وكانت من أوائل المشاركين في منظمة «يهود من أجل العدالة للفلسطينيين»، وفقًا لما ورد في سيرتها المنشورة بعد وفاتها.

نشأ إد وشقيقه الأكبر ديفيد ميليباند في منزل كان النقاش السياسي جزءًا من الحياة اليومية فيه. لذلك لم يكن غريبًا أن يتجه الشقيقان إلى حزب العمال، ثم يصلا لاحقًا إلى مجلس العموم والحكومة.

درس إد الفلسفة والسياسة والاقتصاد في جامعة أكسفورد، قبل أن يحصل على درجة الماجستير في الاقتصاد من كلية لندن للاقتصاد، بحسب ملفه الحكومي الرسمي.

من العمل البحثي إلى دائرة غوردن براون

بدأ ميليباند حياته المهنية باحثًا في برنامج سياسي تلفزيوني، ثم انتقل للعمل داخل حزب العمال، حيث أصبح مستشارًا لهارييت هارمان قبل أن ينضم إلى فريق غوردن براون.

وبمرور الوقت، تحول إلى أحد أبرز مستشاري براون في الملفات الاقتصادية والسياسية، وعمل داخل وزارة الخزانة بعد فوز حزب العمال في انتخابات 1997.

كما أمضى فترة في جامعة هارفارد عام 2003 محاضرًا زائرًا وباحثًا في مركز الدراسات الأوروبية.

وفي عام 2005، انتُخب نائبًا عن دائرة دونكاستر نورث، وهي الدائرة التي استمر في تمثيلها داخل مجلس العموم منذ ذلك الحين.

وتدرج ميليباند سريعًا في المناصب الحكومية، فأصبح وزيرًا في مكتب مجلس الوزراء، قبل أن يعينه غوردن براون وزيرًا للطاقة وتغير المناخ عام 2008.

وخلال توليه هذا المنصب، أشرف على إدخال قانون تغير المناخ لعام 2008، الذي جعل بريطانيا أول دولة تضع أهدافًا ملزمة قانونيًا لخفض الانبعاثات.

ومنذ تلك المرحلة، أصبح ملف المناخ جزءًا أساسيًا من هوية ميليباند السياسية، وليس مجرد حقيبة وزارية مؤقتة.

ويمكن تتبع المناصب التي شغلها وتواريخها من خلال سجله في البرلمان البريطاني.

المنافسة التي وضعت الأخوين وجهًا لوجه

الصورة بواسطة: Paul Bednall عبر Flickr / رخصة: CC BY-NC-SA 2.0

بعد هزيمة حزب العمال في انتخابات 2010 واستقالة غوردن براون، دخل إد ميليباند سباق قيادة الحزب في مواجهة عدد من الشخصيات البارزة، من بينها آندي بيرنهام وإد بولز وديان أبوت.

لكن المنافسة الأبرز كانت بين إد وشقيقه الأكبر ديفيد ميليباند، الذي كان وزيرًا للخارجية في حكومة براون، وكان يُنظر إليه باعتباره المرشح الأقرب إلى الفوز.

تقدم ديفيد في الجولة الأولى، لكن انتقال أصوات المرشحين المستبعدين ودعم أعضاء النقابات منحا إد الفوز في الجولة الأخيرة بنسبة تقارب 50.7 في المئة، مقابل 49.3 في المئة لشقيقه، وفق نتائج انتخابات قيادة الحزب.

ولم تكن النتيجة مجرد انتصار سياسي ضيق؛ فقد وضعت الأخوين في قلب واحدة من أشهر المنافسات العائلية في تاريخ السياسة البريطانية الحديثة.

أصبح إد زعيمًا لحزب العمال وزعيمًا للمعارضة، بينما انسحب ديفيد لاحقًا من الصفوف الأمامية للسياسة البريطانية.

والمفارقة أن إد وصل في النهاية إلى المنصب نفسه الذي سبق أن شغله شقيقه: وزارة الخارجية.

زعيم حاول تغيير خطاب حزب العمال

عندما تولى قيادة الحزب، حاول ميليباند الابتعاد عن بعض أفكار مرحلة «حزب العمال الجديد»، وقدم نفسه بوصفه سياسيًا من يسار الوسط يؤمن بدور أكبر للدولة في ضبط الأسواق وتقليل التفاوت الاقتصادي.

وتحدث عن «الرأسمالية المسؤولة»، وانتقد الشركات التي تحقق أرباحًا على حساب العاملين والمستهلكين، واقترح تجميد أسعار الطاقة لمواجهة ارتفاع فواتير الأسر.

كما جعل أزمة تكاليف المعيشة جزءًا محوريًا من خطابه، قبل أن تتحول هذه القضية إلى واحدة من أكبر الأزمات السياسية والاقتصادية في البلاد خلال السنوات التالية.

لكن ميليباند واجه مشكلة مستمرة في تقديم نفسه إلى الجمهور. فقد نجحت أجزاء من الصحافة اليمينية في تصويره باعتباره مترددًا ويفتقر إلى الحضور القيادي، وتحولت بعض اللقطات والمواقف العابرة إلى أدوات للسخرية منه.

كان لديه خطاب اقتصادي سبق به بعض منافسيه، لكنه لم ينجح في تحويل هذا الخطاب إلى ثقة شعبية كافية لقيادة الحكومة.

لماذا خسر انتخابات 2015؟

الصورة بواسطة: Joanna Hemingway عبر Flickr / رخصة: CC BY-NC 2.0

دخل ميليباند انتخابات 2015 وسط توقعات بمنافسة متقاربة مع المحافظين بقيادة ديفيد كاميرون، لكن النتيجة جاءت أسوأ مما كان ينتظره حزب العمال.

فقد حصل المحافظون على أغلبية برلمانية، بينما خسر العمال عشرات المقاعد، ولا سيما في اسكتلندا، حيث اجتاح الحزب الوطني الاسكتلندي مناطق كانت تُعد معاقل تاريخية للعمال.

ولم تكن الهزيمة نتيجة عامل واحد؛ فقد واجه الحزب شكوكًا بشأن قدرته على إدارة الاقتصاد، إضافة إلى ضعف صورة ميليباند القيادية، والانقسامات داخل فريق حملته، وصعوبة مواجهة خطاب المحافظين حول الإنفاق والعجز المالي.

ويعرض التحليل المفصل لهزيمة الحزب جانبًا من المشكلات التي واجهت حملته.

وفي اليوم التالي للانتخابات، أعلن ميليباند استقالته من قيادة الحزب وتحمل المسؤولية عن النتيجة.

وفي السياسة البريطانية، كان من الممكن أن تمثل تلك اللحظة نهاية مسيرته على المستوى الوطني.

سنوات الصفوف الخلفية وإعادة بناء الصورة

على خلاف سياسيين آخرين غادروا مجلس العموم بعد خسارة القيادة، احتفظ ميليباند بمقعده واستمر نائبًا عن دونكاستر نورث.

ابتعد لفترة عن المناصب الأمامية، لكنه ظل حاضرًا في النقاشات المتعلقة بالمناخ وعدم المساواة والإصلاح الاقتصادي.

وفي عام 2017، بدأ المشاركة في تقديم بودكاست سياسي بعنوان «أسباب تدعو إلى التفاؤل»، ما أتاح له الظهور بصورة أكثر هدوءًا وعفوية من تلك التي عرفه بها الجمهور خلال سنوات الزعامة.

وجاءت عودته الرسمية إلى الصفوف الأمامية عام 2020، عندما عينه كير ستارمر وزيرًا في حكومة الظل للأعمال والطاقة والاستراتيجية الصناعية، ثم أسند إليه ملف المناخ وصافي الانبعاثات الصفري.

وبعد فوز العمال في انتخابات 2024، عاد ميليباند إلى الحكومة وزيرًا لأمن الطاقة وصافي الانبعاثات الصفري، بعد غياب استمر أربعة عشر عامًا عن المناصب الحكومية.

العودة من بوابة الطاقة النظيفة

الصورة بواسطة: Paul Bednall عبر Flickr / رخصة: CC BY-NC-ND 2.0

في حكومة كير ستارمر، تولى ميليباند مسؤولية واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل: الانتقال إلى الطاقة النظيفة، مع محاولة خفض الفواتير وحماية الوظائف والصناعات التقليدية.

وكان من أبرز مشروعاته تأسيس شركة الطاقة العامة «غريت بريتيش إنرجي»، التي قُدمت باعتبارها وسيلة لزيادة الاستثمار في مشروعات الطاقة النظيفة وتحقيق قدر أكبر من أمن الطاقة.

وربط البيان التأسيسي للشركة المشروع بتقليل اعتماد البلاد على أسواق الوقود الأحفوري المتقلبة.

ورأى مؤيدوه أنه نجح في تحويل سياسات المناخ إلى برنامج اقتصادي يرتبط بالاستثمار والوظائف وأمن الطاقة.

أما منتقدوه، فاعتبروا أن سرعة التحول وخفض الاعتماد على النفط والغاز قد يفرضان تكاليف إضافية على المستهلكين والصناعات.

ومع ذلك، أعادت حقيبة الطاقة تقديمه بوصفه وزيرًا قادرًا على تنفيذ السياسات، بعدما ظلت صورته لسنوات مرتبطة بهزيمة 2015.

كيف أصبح إد ميليباند وزيرًا للخارجية؟

في 20 يوليو 2026، عيّن رئيس الوزراء آندي بيرنهام إد ميليباند وزيرًا للخارجية والكومنولث والتنمية، خلفًا لإليفيت كوبر.

ويمنحه المنصب المسؤولية العامة عن وزارة الخارجية وشبكة بريطانيا الدبلوماسية، إلى جانب تحديد الأولويات الدولية للحكومة، والمشاركة في مجلس الأمن القومي، والإشراف على سياسة الاستخبارات والاستراتيجية المتعلقة بالاتحاد الأوروبي، وفق التوصيف الرسمي للمنصب.

وجاءت أول زيارة خارجية له بعد نحو 48 ساعة فقط من تعيينه، عندما شارك في اجتماع وزراء خارجية رابطة دول جنوب شرق آسيا في مانيلا.

وفي كلمته أمام الاجتماع، تحدث عن العدوان في فلسطين والسودان ولبنان، ودعم أوكرانيا، وأهمية القانون الدولي والتعاون متعدد الأطراف.

ولا يأتي ميليباند إلى الخارجية من خلفية دبلوماسية تقليدية، بل من ملفات الاقتصاد والطاقة والمناخ، وقد يساعده ذلك في التعامل مع عالم أصبحت فيه السياسة الخارجية مرتبطة مباشرة بأسعار الطاقة والتجارة والعقوبات وسلاسل الإمداد وتغير المناخ.

ما توجهه السياسي؟

الصورة بواسطة: Scottish Labour عبر Flickr / رخصة: CC BY-NC-ND 2.0

يُصنف ميليباند عادة ضمن اليسار المعتدل في حزب العمال.

فهو ليس من الجناح الاشتراكي الراديكالي، لكنه أكثر استعدادًا من الوسطيين التقليديين لتأييد تدخل الدولة والملكية العامة وفرض القيود على الشركات الكبرى.

ويؤمن بأن الأسواق تحتاج إلى توجيه سياسي، وأن النمو الاقتصادي لا ينبغي أن ينفصل عن العدالة الاجتماعية أو حماية البيئة.

كما يميل إلى العمل التفصيلي وصياغة السياسات طويلة المدى، أكثر من اعتماده على الخطابات الشعبوية أو المواجهات الإعلامية.

وتتمثل قوته في خبرته الكبيرة وقدرته على البقاء والعودة بعد الهزائم.

أما نقطة ضعفه التاريخية، فكانت صعوبة تحويل أفكاره إلى رسالة بسيطة ومقنعة لقطاعات واسعة من الناخبين.

ماذا يعني تعيينه للعرب والشرق الأوسط؟

يمس عمل وزير الخارجية ملفات تؤثر مباشرة في الجاليات العربية داخل بريطانيا، بداية من السياسة تجاه فلسطين وإسرائيل، وصولًا إلى العلاقات مع دول الخليج والحرب في السودان والوضع في لبنان والعلاقة مع إيران، إضافة إلى المساعدات الدولية والعقوبات والخدمات القنصلية.

وقد أظهر ميليباند في أسابيعه الأولى رغبة في اتخاذ موقف أكثر وضوحًا تجاه الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية.

ففي أغسطس 2026، أدان طرح الحكومة الإسرائيلية مناقصة لتنفيذ مشروع استيطاني في منطقة «E1»، وحذر من أن المشروع قد يفصل الضفة الغربية عن القدس الشرقية ويقضي على إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

كما استدعت وزارة الخارجية القائم بالأعمال الإسرائيلي، وطالبت بوقف المشروع والتوسع الاستيطاني.

وأعلن ميليباند أن الحكومة ستقدم إجراءات تستهدف المشاركين في توسيع المستوطنات غير القانونية، وفق البيان الرسمي لوزارة الخارجية.

وفي سبتمبر، تحدث أمام مجلس العموم عن إجراء «إعادة ضبط شاملة» للسياسة البريطانية تجاه إسرائيل، وقال إن الحكومة تعمل لمنع الشركات البريطانية من تمويل المستوطنات الجديدة أو بنائها أو الإعلان عنها، بحسب ما نقلته صحيفة الغارديان.

لكن الحكم على سياسته لن يتوقف على قوة التصريحات وحدها.

فالاختبار الحقيقي سيكون في طبيعة الإجراءات التي ستتخذها الحكومة بشأن التجارة مع المستوطنات، والعقوبات، وتصدير الأسلحة، والمساعدات الإنسانية، واستخدام بريطانيا لنفوذها الدبلوماسي داخل المؤسسات الدولية.

أما الخلفية اليهودية لعائلة ميليباند، أو مواقف والدته المؤيدة للحقوق الفلسطينية، فلا تكفي وحدها للتنبؤ بقراراته.

فالهوية العائلية ليست برنامجًا سياسيًا، والمقياس الأهم سيظل السياسات التي يعتمدها أثناء وجوده في المنصب.

هل ينجح في الفصل الثالث من مسيرته؟

الصورة بواسطة: Labour Party عبر Flickr / رخصة: CC BY-NC-ND 2.0

قصة إد ميليباند ليست قصة صعود سياسي متواصل، بل مسيرة شهدت انتصارات وهزائم وانسحابًا وعودة.

وصل إلى قيادة حزب العمال في سن مبكرة، لكنه أخفق في الوصول إلى رئاسة الحكومة.

وبعد سنوات من السخرية والتشكيك في مستقبله، أعاد بناء مكانته من خلال ملف الطاقة، ثم عاد إلى إحدى أهم واجهات السياسة البريطانية.

وتضعه وزارة الخارجية الآن أمام اختبار مختلف تمامًا.

فبدلًا من إدارة خلافات حزب العمال أو الدفاع عن سياسات المناخ، أصبح مسؤولًا عن تمثيل البلاد في عالم مضطرب، والتعامل مع الحروب والتحالفات والعقوبات والقانون الدولي.

ربما لن يستطيع ميليباند التخلص تمامًا من صورة زعيم العمال الذي خسر انتخابات 2015، لكنه أثبت أن الهزيمة لم تكن نهاية حياته السياسية.

والسؤال الآن ليس كيف عاد إلى الحكومة، بل ما الذي سيفعله بعدما وصل إلى المنصب الذي شغله شقيقه قبله.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا