ارتكب آندي بيرنهام بالفعل خطأ سيكلفه رئاسة الوزراء
تبًّا للناخبين٬ إنهم غير صبورين للغاية. ما إن يحصلوا على زعيم جديد حتى يريدوا آخر. أولئك الجاحدون بدأوا بالفعل في التذمر بشأن آندي بيرنهام. ربما أصبحت البلاد عصيّة على الحكم٬ ولعل السبب هو وسائل التواصل الاجتماعي٬ أو ثقافة استهلاكية تبحث دائمًا عن اللمعة الجديدة التالية٬ أو ربما أصبحنا مدمنين على الدراما.
وبما أننا وصلنا إلى رئيس وزرائنا السادس في غضون 10 سنوات، وبما أن مستويات مماثلة من السخط تظهر في العديد من البلدان الأخرى، تُردّد هذه المزاعم عبر وسائل الإعلام: ما الخطب فينا؟ ومع ذلك، فإن سخطنا عقلاني تمامًا. نحن نتخلى عن رؤساء وزرائنا بالسرعة التي يتخلون بها عنا. ورغم أن الأمر قد يتعلق بقضايا مختلفة، فإنّها الخيانة نفسها دائمًا: تُضحّى بالمصلحة العامة من أجل عدد ضئيل من الأثرياء الهائلين٬ وغالبًا ما يحدث ذلك على الفور تقريبًا.
المثال الأخير، الذي أثار الغضب والاستسلام القاتم على حدّ سواء، هو تراجع بيرنهام عن نية وضع سقف للتبرعات السياسية، لم تكن سياسة جذرية بحال؛ فقد اقترح ألا يتمكن أي شخص من تقديم أكثر من 500 ألف باوند لحزب سياسي خلال عام واحد. وكان من شأن ذلك الحدّ من التّأثير غير المتناسب الذي يمارسه الأثرياء للغاية على سياستنا. لطالما اعتقدت أن النظام العادل الوحيد هو ذلك الذي لا ينبغي أن تكون فيه تبرعات خاصة على الإطلاق، باستثناء رسوم العضوية القياسية الثابتة٬ وإلا فإن الناخبين سيعطون دائمًا المرتبة الثانية بعد المال.
ولكن في الوقت الحالي لا يوجد سقف، مما يضمن أن المليارديرات يمكنهم شراء الأحزاب السياسية وبرامجها٬ لذا فإن الحد الأقصى البالغ 500 ألف باوند، رغم ضآلته، يعدّ بداية على الأقل. وفي تعهد لاحق، اقترح بيرنهام إمكان خفضه تدريجيًا. أما الآن، فيقال لنا، حتى هذا السقف المرتفع قد تم التخلي عنه؛ إذ سيركز مشروع قانون تمثيل الشعب بدلاً من ذلك على تقديم مقترحات كير ستارمر المثيرة للسخرية، والتي تهدف إلى الحد من التبرعات القادمة من الخارج، لا من داخل بريطانيا: كما لو أن المانحين المليارديرات ومديري ثرواتهم لا يملكون خبرة في تحويل الأموال من حساب إلى آخر٬ إن الثغرات مصممة عمدًا.
إن خضوع بيرنهام بشأن هذه القضية ليس بالأمر الهين٬ فهو يمس جوهر هذا البلد وطريقه عمله٬ وله تداعيات هائلة على الديمقراطية، وصياغة السياسات، وكل جانب آخر من جوانب الحياة المدنية. وما يعنيه ذلك هو أن الأثرياء للغاية سيستمرون في امتلاك سياستنا وبلدنا. استسلم لسطوة المال وستجد نفسك، مثل ستارمر، مربوط اللسان ومشلولاً، عاجزًا عن مواجهة أي تحدٍّ يتطلب التّصدّي للقوة الأوليغاركية. بعبارة أخرى: أخطئ في هذا، وستتبع ذلك كل الأخطاء الأخرى.
السبب الرسمي لتقلب بيرنهام هو أن النقابات العمالية اعترضت؛ فهي لطالما حوّلت مبالغ ضخمة إلى حزب العمال. وأنا أشك في أن هذا هو التفسير الحقيقي؛ فمعظم التبرعات التي تلقاها بيرنهام لحملته القيادية جاءت من مانحين كبار. وقد قدّم اللورد سينسبري ما يقرب من نصفها، وهو الذي كان أيضًا ممولًا رئيسيًا لمشروع ستارمر. بالكاد ظهرت أموال النقابات٬ ولكن حتى لو تراجع بيرنهام عن وعده من أجل النقابات، فإنني أعتقد أن تمويل النقابات العمالية يمثل مشكلة أيضًا٬ فهو يضمن تقديم المصالح القطاعية فوق المصلحة العامة.
على سبيل المثال، تعلم حكومات العمال أنها تستطيع مهاجمة متلقي الإعانات بأمان، وهم غير منتمين لنقابات، بينما تتعامل بحذر شديد – بحذر شديد للغاية في رأيي – مع مصالح عمال النفط. وإذا كانت النقابات تعتقد أن النظام بلا سقف يناسبها، فهي واهمة٬ فلن تتمكن أبدًا من مجاراة القدرة المالية للمليارديرات، الذين تتعارض مصالحهم في معظم الحالات بشكل مباشر مع مصالح أعضائها.
إن قوة الأثرياء للغاية تتجلى الآن في كل سياسة تعتمدها الحكومات، وفي السياسات التي تتجنبها أيضًا. فنحن نراها في قوانين الاحتجاج الجديدة وتطبيقاتها، والتي تصبح أكثر سخافة يومًا بعد يوم.
إن وصف المحتجين بـ”الإرهابيين” هو جزء من برنامج طويل الأمد لضمان ألا يجرؤ أحد على الاحتجاج على أي شيء بعد الآن. وقد تم نشر هذا البرنامج في جميع أنحاء العالم، من خلال تشريعات نموذجية صاغتها مراكز الفكر الممولة من بعض أغنى الناس على وجه الأرض. وكما حدث في القرن الثامن عشر، فإن الدفاع الأكثر تطرفًا عن الملكية يسير جنبًا إلى جنب مع التركيز المتزايد للثروة.
ونراها في الطريقة التي تم بها تصنيف مراكز البيانات كـ”بنية تحتية وطنية حرجة”، مما يُمكّن الحكومة من تجاوز عملية التخطيط المعتادة وفرضها على المجتمعات، بغض النظر عن تأثيرها في جودة حياة السكان المحليين، وموارد المياه، وإمدادات الطاقة، وانهيار المناخ. ومجددًا، يتم فرض تدابير مماثلة في بلدان أخرى بناءً على طلب نفس المجموعات الممولة من المليارديرات٬ ويبدو أن دور الحكومات قد تقلص إلى مجرد الموافقة عليها.
ونراها في إصرار حكومة بيرنهام هذا الصيف، وسط موجات الجفاف الشديد وموجات الحر والحرائق، على إطلاق مشاورات تقترح تقليصًا جذريًا للانتقال إلى السيارات الكهربائية. وأعتقد أن هناك تفسيرًا واحدًا فقط ممكنًا لهذه السياسة: الضغط الذي تمارسه الشركات ومساهموها. ويبدو أن مصالحهم تفوق مصالح الكوكب و8 مليارات شخص يعيشون عليه. إذا كانت بلادنا والعديد من البلدان الأخرى تصبح عصية على الحكم، فليس ذلك بسبب الشعب٬ بل لأن الأثرياء للغاية حطموا النظام.
فالناخبون وأعضاء البرلمان الذين قد يسعون لتمثيلنا يشدون الرافعات السياسية، ولكن لا شيء يحدث. قد يستبدلون الزعيم، لكن الجديد يكرر على الفور “الأخطاء” التي أدت إلى طرد القديم. يجعلك تتساءل: ما هو التهديد الذي يمثله الأوليغارشيون والذي يفوق حتى تهديد فقدان السلطة؟ مهما كان السبب، فإن خيبة الأمل هي نتيجة حتمية لمثل هذه الخيانات. أعتقد أن معظم الناس يريدون الاستقرار٬ وأعتقد أن معظم الناس يريدون أن يكونوا قادرين على الثقة بحكوماتهم٬ نحن لا نحب التقادم المدمج في قادتنا تمامًا كما لا نحبه في هواتفنا. لا أريد أن أرى بيرنهام يلقى مصير ستارمر٬ لكني أعلم أنه لن ينجح إلا إذا دافع عن المصلحة العامة ضد قوة المال. إذن ما الذي يمنعه؟
المصدر: الجارديان
الرابط المختصر هنا ⬇
