نشتري إعجاب الناس بالتقسيط!
نشتري إعجاب الناس بالتقسيط!
بعض المال لا ننفقه لأننا نحتاج إلى ما نشتريه، بل لأننا نحتاج إلى أن نشعر بأننا لسنا أقل من غيرنا. وبعض الأقساط نحملها سنوات طويلة، وقد أقنعنا أنفسنا بأنها من ضرورات العيش الكريم، وبأن التخلي عنها ينقص من قدرنا في أعين الناس.
لا عيب في أن نعلّم أبناءنا في مدارس خاصة، أو نرتدي ملابس من ماركات معروفة، أو نقتني سيارة جيدة وأثاثًا جميلًا. العيب يبدأ حين تتحول هذه الخيارات إلى واجبات اجتماعية، وحين نشتري ما يفوق حاجتنا وطاقتنا خوفًا من أن نبدو أقل من الآخرين.
حين يصبح الدَّين أسلوب حياة
ولم يعد التقسيط اليوم مقصورًا على البيوت والسيارات، فخدمات «اشترِ الآن وادفع لاحقًا» صارت تلاحقنا عند شراء حذاء أو قميص، من لندن إلى الرياض ودبي. في بريطانيا يستخدمها نحو 11 مليون شخص، حتى اضطرت السلطات هذا العام إلى إخضاعها للرقابة المالية لأول مرة. وفي الخليج تعلن كبرى منصاتها أن مستخدميها تجاوزوا عشرة ملايين. وحين يصبح الدَّين أسلوب حياة، تصير صورتنا أمام الناس سلعة ندفع ثمنها على أقساط.
والمدارس الخاصة مثال واضح؛ فكثير من الأهالي يرهقون ميزانياتهم لتأمين رسومها، ظنًا منهم أنهم يقدمون لأبنائهم الأفضل. لكن هل المدرسة الأغلى هي الأفضل بالضرورة؟ وهل تُشترى التربية الصالحة بدفع الرسوم؟
قد ينال الطفل في المدرسة الخاصة تعليمًا متميزًا، غير أن ذلك لا يضمن أن يكبر معتمدًا على نفسه وقادرًا على تحمّل المسؤولية. فالطفل الذي تُلبّى طلباته دون عناء لا يتعلم بالضرورة كيف يصبر على المشقة. العبرة ليست باسم المدرسة، بل بالتربية والبيئة اللتين ينشأ فيهما.
والقول نفسه يصدق على الملابس ذات الأسماء اللامعة، والسيارات الفارهة، والأثاث الباهظ. ندفع ثمن قميص أضعاف ما يستحق لأن اسمه يمنحنا إحساسًا بالقبول، ونستدين لشراء سيارة لا نحتاج إلى نصف إمكاناتها، ونستبدل أثاثًا ما زال صالحًا كي يظهر البيت بمستوى معين أمام الضيوف.
ماذا سيقول الناس؟
ولنا نحن العرب، أينما كنا، نصيبنا الوافر من هذا السباق: أعراس تتجاوز تكاليفها طاقة أصحابها، ومناسبات نتنافس فيها أكثر مما نفرح بها، وإجازة صيفية ينبغي أن تكون «على مستوى» حتى تُروى للأقارب والمعارف. نفقات لا تمليها الحاجة، بل يمليها سؤال واحد: ماذا سيقول الناس؟
ثم نبرر رغباتنا بأسماء مقبولة؛ فنقول إننا نبحث عن الجودة، أو نحرص على مستقبل أبنائنا، أو نستحق شيئًا من الرفاهية. وقد يصدق ذلك أحيانًا، لكن السؤال الذي يستحق أن نواجه به أنفسنا هو: لو لم يعرف أحد اسم المدرسة التي يدرس فيها أبناؤنا، ولا ماركة ملابسنا، ولا ثمن سيارتنا، أكنّا سنتخذ القرارات ذاتها؟
والمفارقة أننا نشتري أشياء لنبدو واثقين أمام الناس، ثم نقضي بقية الشهر قلقين من الفواتير والأقساط. ننجح في إقناع الآخرين بأننا ميسورون، ونعجز عن إقناع أنفسنا بأننا مرتاحون.
والأخطر أن هذا السباق بلا خط نهاية؛ فثمة دائمًا سيارة أحدث، ومدرسة أغلى، وعلامة تجارية أشهر. ومن ربط رضاه بما في أيدي الناس، ظل متأخرًا في عين نفسه مهما اشترى.
احتياط لغدٍ لا نعرفه
ويزداد الأمر إلحاحًا في زمن لا يبعث فيه الاقتصاد العالمي على الاطمئنان. فصندوق النقد الدولي ما زال يحذّر من أن المخاطر التي تهدد آفاق النمو تميل نحو الأسوأ، ولا أحد يستطيع أن يجزم متى تأتي الأزمة المقبلة ولا كيف. لكن التجارب علّمتنا أن الأسر التي تدخل الأزمات بديون أقل ومدخرات أكثر هي الأقدر على عبورها بسلام. والحكمة في الإنفاق ليست تشاؤمًا، إنما هي احتياط لغدٍ لا نعرفه.
لسنا مطالبين بالتقشف، ولا بحرمان أبنائنا من الفرص الجيدة، وإنما بأن نميّز بين الحاجة والتباهي، وبين ما يضيف إلى حياتنا قيمة حقيقية وما يجمّل صورتنا فحسب. فليس كل غالٍ أفضل، ولا كل قرض علامة على التقدم.
ولعلنا نحتاج إلى أن نعيد تعريف النجاح: بيت مريح لا يثقلنا دَينه، وسيارة تؤدي الغرض ولا تستنزف الدخل، وأبناء نربيهم على المسؤولية لا على المظاهر، ومال ندّخره لتقلبات الأيام بدل أن نبدده على إعجاب عابر.
في النهاية، لن يحمل أحد عنا أقساطنا، ولن يعيد إلينا أحد سنوات القلق التي أنفقناها في سداد ثمن أشياء اشتريناها لنبدو أفضل في عيون الآخرين.
فلا تدفعوا من أعماركم وأمان أسركم ثمن إعجاب أناس ربما لا يلتفتون إليكم أصلًا. عيشوا بما يناسبكم، لا بما يرضي جمهورًا متخيَّلًا.
الرابط المختصر هنا ⬇


