العرب في بريطانيا | فيلم «Mercy».. حين تحاكمنا الآلة، من ينتصر للإن...

فيلم «Mercy».. حين تحاكمنا الآلة، من ينتصر للإنسان؟

فيلم «Mercy».. حين تحاكمنا الآلة، من ينتصر للإنسان؟

فيلم «Mercy».. حين تحاكمنا الآلة، من ينتصر للإنسان؟

عدنان حميدان أكتوبر 2, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ماذا لو وجدت نفسك متهمًا بقتل زوجتك، ولم يبقَ أمامك سوى 90 دقيقة لإثبات براءتك، أمام قاضية لا تنام، ولا تنسى، وتملك القدرة على الوصول إلى كل تفاصيل حياتك، لكنها في النهاية مجرد ذكاء اصطناعي؟

هذه هي الفكرة التي ينطلق منها فيلم «Mercy» (الرحمة)، للمخرج تيمور بيكمامبيتوف، وبطولة كريس برات وريبيكا فيرغسون، في رحلة سينمائية تجمع بين الإثارة والتشويق، وتطرح أسئلة عميقة حول العدالة، والذكاء الاصطناعي، والخصوصية، والعلاقات الأسرية.

تدور أحداث الفيلم في لوس أنجلوس المستقبل، حيث تتولى منظومة ذكاء اصطناعي، تقودها القاضية «مادوكس»، مهمة محاكمة المتهمين، في محاولة للحد من الجريمة والفوضى وتسريع تحقيق العدالة.

لكن المفارقة أن كريس، المحقق الذي كان مؤيدًا لهذا النظام، يجد نفسه متهمًا بقتل زوجته، وعليه أن يثبت براءته خلال 90 دقيقة، وإلا فمصيره الإعدام.

وهنا تبدأ الحكاية، ويتحول الفيلم من سباق مع الزمن إلى مواجهة بين الإنسان والآلة، وبين ما تقوله البيانات وما قد تخفيه الحقيقة.

«نحن فعلنا ما بُرمجنا عليه»، عبارة تختصر جانبًا مهمًا من فلسفة الفيلم، وتفتح بابًا للتأمل في طبيعة الإنسان نفسه. فنحن أيضًا، بدرجات متفاوتة، نتشكل وفق التربية والبيئة والتجارب، ونكتسب أنماطًا من التفكير والسلوك قد تقودنا إلى الصواب أو الخطأ. لكن الفارق أن الإنسان قادر على مراجعة نفسه، والتعلم من أخطائه، وتغيير مساره، بينما تحتاج الآلة إلى من يراجع برمجتها ويصحح مساراتها.

وهنا يبرز السؤال الأهم: من يتحمل مسؤولية الخطأ حين تصبح الآلة صاحبة القرار؟

العدل قبل نجاح النظام

من أبرز ما يطرحه الفيلم أن نجاح المنظومة لا ينبغي أن يكون أهم من العدالة التي أُنشئت لتحقيقها. فمهما بلغت سرعة النظام ودقة تحليلاته، لا يمكن اعتبار ذلك ضمانة مطلقة لإنصاف الإنسان.

فالبيانات قد تكون صحيحة، لكن تفسيرها قد يكون خاطئًا، والأدلة قد تبدو مكتملة، بينما تظل هناك تفاصيل غائبة أو سياقات لم تُفهم. والعدالة ليست مجرد أرقام واحتمالات، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية تستوجب التثبت والمراجعة والمحاسبة.

ويلفت الفيلم الانتباه إلى أن الحدس البشري، والقدرة على قراءة المواقف وفهم المشاعر والسياقات، تظل عناصر مهمة لا يمكن الاستغناء عنها في اتخاذ القرارات المصيرية، مهما تطورت قدرات الذكاء الاصطناعي.

حين تغيب الأسرة وتحضر الشاشات

ولا يقتصر الفيلم على إثارة الأسئلة التقنية والقضائية، بل يحمل رسائل تربوية واجتماعية تستحق التوقف عندها، وفي مقدمتها انشغال الآباء والأمهات عن أبنائهم، خصوصًا في مرحلة المراهقة، حيث تتشكل الشخصية وتزداد الحاجة إلى الحوار والاحتواء.

ففي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، قد يعتقد الأهل أن مراقبة حسابات أبنائهم كافية لحمايتهم، لكن المراهق يستطيع إنشاء حسابات بديلة، أو الانتقال إلى مساحات رقمية لا يعرفها الوالدان.

وهنا تبرز أهمية بناء الثقة، وتعزيز الحوار الأسري، وتوعية الأبناء بالمخاطر الرقمية، بدلًا من الاكتفاء بالمراقبة التي قد تدفعهم أحيانًا إلى مزيد من التخفي.

فالآباء قد يراقبون شاشات أبنائهم، لكنهم لا يستطيعون بالضرورة معرفة ما يدور في نفوسهم، أو ما يواجهونه من ضغوط ومشكلات.

التكنولوجيا لا تمنع الجريمة دائمًا

ومن الرسائل المثيرة أيضًا أن تطور وسائل المراقبة لا يعني القدرة على كشف كل الجرائم أو منعها. فمهما امتلكت الأنظمة من كاميرات وبيانات وأدوات تحليل، تبقى هناك ثغرات يمكن استغلالها، وطرق للتحايل على أكثر التقنيات تطورًا.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع الربط بين ملايين المعلومات، لكنه لا يضمن الوصول إلى الحقيقة ما لم تكن البيانات دقيقة وكاملة، وما لم توجد رقابة بشرية قادرة على اكتشاف الخلل والتلاعب.

وهذا ما يجعل الاعتماد المطلق على التقنية مخاطرة، خصوصًا حين يتعلق الأمر بحياة الإنسان وحريته وكرامته.

الإنسان أولًا.. والآلة وسيلة

ينتهي الفيلم إلى مساحة من التأمل تتجاوز أحداثه ومطارداته، ليضعنا أمام سؤال جوهري: هل المشكلة في الذكاء الاصطناعي، أم في الإنسان الذي يمنحه السلطة ويحدد له حدودها؟

لقد صنع الإنسان التقنية لتخدمه، لا لتصبح حكمًا مطلقًا عليه. ومن هنا، فإن العدالة الحقيقية لا تتحقق بمجرد تسريع الأحكام أو تقليل الأخطاء إحصائيًا، بل بضمان حق الإنسان في الدفاع عن نفسه، ومراجعة الأدلة، ومحاسبة من يتسبب في ظلمه.

فكلنا نفعل أشياء تشكلت بفعل ما تعلمناه وما بُرمجنا عليه اجتماعيًا وتربويًا، لكن الفرق الحقيقي يكمن في قدرتنا على الاعتراف بالخطأ والتعلم منه.

«Mercy» ليس مجرد فيلم عن الذكاء الاصطناعي، بل حكاية عن الإنسان، وأخطائه، ومسؤوليته، وحدود ما يمكن أن تصنعه التكنولوجيا.

ولعل أهم ما يتركه في أذهاننا أن العدالة لا تُقاس بنجاح النظام، بل بقدرته على إنصاف البشر، وأن الذكاء مهما بلغ من التطور، لا ينبغي أن يتقدم على الضمير، ولا أن يحل محل الحدس البشري.

اترك تعليقا

↑