العرب في بريطانيا | لندن… مدينة تسكن القلب ولا يغيب حنينها

لندن… مدينة تسكن القلب ولا يغيب حنينها

WhatsApp Image 2026-09-30 at 1.56.06 PM
عدنان حميدان سبتمبر 30, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

كلما غادرت لندن لبضعة أيام، وجدتني أشتاق إليها، وأحنّ إلى شوارعها وحدائقها، وإلى ذلك الشعور بالراحة والطمأنينة الذي ينتابني كلما عدت إليها. وكأن بيني وبين هذه المدينة حكاية لا تنتهي، أو خيطًا خفيًا يشدني إليها مهما ابتعدت.

لندن بالنسبة إليّ ليست مجرد مدينة أقيم فيها، بل مساحة واسعة من الحرية والكرامة والخصوصية؛ تشعر فيها أنك تملك حياتك، وتمارس هواياتك، وتطبّق أفكارك، وتتنقل حيث تشاء، ما دمت تحترم القانون ولا تعتدي على حقوق الآخرين. تسير في شوارعها دون أن تشعر بأنك موضع مراقبة أو اشتباه، فلا حواجز تعترض طريقك، ولا تفتيش يلاحق خطواتك، وفي الوقت ذاته تشعر بحضور الدولة ومؤسساتها، وبأن القانون يحمي حقوقك ويصون حريتك.

إنها معادلة جميلة بين حرية الفرد وهيبة الدولة؛ فلا تضييق على الإنسان في حياته الخاصة، ولا فوضى في المجال العام. تمضي في يومك مطمئنًا، وحين تستدعي الضرورة التدخل، تشقّ صفارات سيارات الشرطة هدوء الشوارع، لتذكّرك بأن الدولة حاضرة حين يحتاج إليها الناس.

ولندن، رغم ما تواجهه من عقبات، تمنحك شعورًا بأن الإنسان وكرامته وحقوقه في صميم الحياة العامة. حتى في المستشفيات، قد تنتظر ساعات طويلة إذا كانت حالتك غير طارئة، لكن الحالات الحرجة تحظى بالأولوية والرعاية العاجلة. ولا يعني ذلك خلو النظام الصحي من أوجه القصور، لكنه يُبرِز أهمية ترتيب الأولويات وفق حاجة المرضى وخطورة حالاتهم.

ومن أجمل ما يميز لندن أنها مدينة تتسع للجميع. أينما اتجهت وجدت مسجدًا أو مصلى، ومتجرًا عربيًا أو إسلاميًا، ومطعمًا يقدم الطعام الحلال، وفي الوقت ذاته تجد الكنائس والمعابد ومختلف الثقافات والديانات حاضرة، تمارس شعائرها وأنشطتها في إطار من الحقوق والحريات. تستطيع أن تحتفظ بهُويتك ودينك ولغتك، وأن تعيش خصوصيتك، دون أن يكون اختلافك عن الآخرين عائقًا أمام اندماجك في المجتمع.

ولعل هذا التنوع هو أحد أسرار جمال لندن؛ فهي مدينة تجمع العالم في شوارعها وأحيائها، وتمنحك فرصة أن تكون جزءًا من مجتمع متعدد الثقافات، دون أن تتخلى عن جذورك أو انتمائك.

أما خضرتها وحدائقها، فلها حكاية أخرى تزيد التعلق بها. فما أجمل أشجارها العتيقة، وحدائقها الممتدة، وممراتها التي تمنحك فسحة من الهدوء بعيدًا عن صخب الحياة! ولندن مع المطر حكاية لا تنتهي؛ غيومها وأمطارها جزء من شخصيتها، وخضرتها المتجددة تمنحها جمالًا خاصًا.

وقد حاولت الكآبة أن تتسلل إلينا مبكرًا هذا العام، حين انحبس المطر وجفت الأرض، واصفرت بعض الحدائق والمساحات الخضراء، وكأن الخريف جاء قبل أوانه. لكن سرعان ما عاد الغيث، واستعادت الأرض نضارتها، واكتست لندن بحلتها الخضراء البهية، فعادت إليها الحياة، وكأن المطر أعاد رسم ابتسامتها من جديد.

ولندن ليست طبيعة وحرية فحسب، بل مدينة عريقة تختزن تاريخًا طويلًا، وتجمع بين أصالة الماضي وحداثة الحاضر. تمشي على ضفاف نهر التيمز، وتعبر جسورها، وتتأمل مبانيها التاريخية ومعالمها الثقافية، ثم تنتقل إلى شوارعها الحديثة وأسواقها ومسارحها ومتاحفها، فتجد أمامك عالمًا واسعًا من الخيارات والفرص.

وربما كان أجمل ما تمنحك إياه هذه المدينة هو القدرة على أن تعيش حياتك كما تحب: أن تختار وجهتك، وتمارس هواياتك، وتلتقي بأصدقائك، وتستمتع بوقتك، وتجد مساحة لنفسك بعيدًا عن التدخل في شؤونك الخاصة. إنها تفاصيل قد تبدو عادية لمن اعتادها، لكنها تصبح ثمينة حين تغادرها وتفتقدها.

ولا يعني حبي للندن أنني لا أحن إلى أوطاننا الأولى، أو أنني نسيت مدن الطفولة وذكريات الأهل والأحبة. فالإنسان قد يحمل في قلبه أكثر من وطن: وطن الجذور والذكريات، ووطن التجربة والحياة، ولكل منهما مكانته التي لا يلغيها الآخر.

وحين أغادر لندن، أكتشف أنني لا أفتقد معالمها وحدها، بل أفتقد تفاصيل الحياة فيها: شوارعها التي ألفتها، وحدائقها التي اعتدت زيارتها، ومطرها الذي قد يفاجئني في الطريق، وحتى غيومها التي كنت أتمنى أحيانًا أن تنقشع. وعندما أعود، أشعر بأن شيئًا من روحي قد عاد إلى مكانه.

بعض المدن لا نزورها فحسب، بل تسكن فينا، وتصبح جزءًا من ذاكرتنا ومشاعرنا. ولندن بالنسبة إليّ واحدة من تلك المدن؛ أشتاق إليها كلما ابتعدت، وأجد فيها شيئًا من نفسي كلما عدت.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عنها أنها، مع مرور الوقت، أصبحت مكانًا أشعر فيه بأنني أعيش كما أريد. ولهذا، كلما ابتعدت عنها، بقي في داخلي شيء منها، وكلما عدت إليها، شعرت أنني لم أعد إلى مدينة فحسب، وإنّما عدت إلى شيء من نفسي.


 

اترك تعليقا

↑