العرب في بريطانيا | متى يصبح الصباح العادي نعمة؟

متى يصبح الصباح العادي نعمة؟

WhatsApp Image 2026-08-16 at 8.44.16 AM
عدنان حميدان أغسطس 16, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ربما حين يستيقظ الإنسان ولا يكون في داخله ما يستدعي القلق.

يفتح عينيه على مهل، ينظر إلى الساعة، ثم ينهض دون أن يشعر أن عليه أن يلحق بشيء، أو يهرب من شيء، أو يستعد لشيء قد يحدث. لا خبر ينتظره، ولا رسالة يخشى وصولها، ولا فكرة قديمة قررت أن توقظه قبل الجميع. مجرد صباح، وهذا وحده يكفي.

يفتح الستارة، يدخل الضوء إلى الغرفة، يسمع صوتًا بعيدًا في الشارع، وربما يذهب إلى المطبخ ليعد لنفسه شيئًا يحبه. يجلس قليلًا، ولا يشعر بأن عليه أن يملأ الصمت. لا يبحث عن شيء يغير مزاجه، ولا يحتاج إلى أن يفعل شيئًا كي يشعر بأنه بخير. هو بخير أصلًا.

ولعل هذه واحدة من أجمل علامات التعافي التي لا ينتبه إليها الإنسان إلا بعد أن يمر بالكثير. أن يصبح الصباح العادي شيئًا يحبه. أن يستيقظ ولا تكون أول فكرة في رأسه مشكلة. ألا يبدأ يومه بتفقد الهاتف، ولا بمراجعة ما قاله أحدهم، ولا بتوقع ما سيحدث، ولا بإعادة تشغيل مشهد قديم في رأسه، متسائلًا: ماذا لو قال كذا؟ وماذا لو فعل كذا؟

يستيقظ فقط، ويعيش.

كم هو جميل أن يصل الإنسان إلى هذه المرحلة؛ المرحلة التي لا يعود فيها كل شيء حوله قادرًا على تحريك مزاجه. ليس لأن الأشياء لم تعد تعنيه، وإنما لأنه عرف حجمها الحقيقي.

يعرف أن بعض الكلمات لا تستحق أن يحملها معه إلى الليل، وأن بعض المواقف تنتهي بانتهائها، ولا تحتاج إلى أن يمنحها ساعات إضافية من التفكير، وأن بعض الأشخاص، مهما أحبهم، لا ينبغي أن يصبحوا مسؤولين عن سلامه الداخلي.

يتعلم أن هناك أشياء تحدث حوله، وليس بالضرورة أن تحدث داخله.

وهذا فرق كبير.

في وقت ما، ربما كان الإنسان يسلّم جهاز التحكم الخاص به للآخرين دون أن يشعر. كلمة من شخص ترفعه، وكلمة أخرى تهبط بك. رسالة تأتي في الوقت المناسب فتجعلك سعيدًا، وأخرى تتأخر قليلًا فتفسد عليك يومك. موقف صغير في العمل يظل معك حتى المساء. نظرة عابرة تفسرها عشر مرات. وربما شخص لا يعرف أصلًا أنه أزعجك، بينما أنت تقضي يومك كاملًا وأنت تعيد الموقف في رأسك.

ثم يأتي التعافي، هادئًا، ويعيد إليك جهاز التحكم؛ فتصبح أنت من يقرر.

تغضب، نعم، لكنك لا تجعل الغضب يقود يومك. تحزن، نعم، لكنك لا تبني بيتًا داخل حزنك. تتألم، لكنك لا تجعل الألم تعريفًا لك. وتقلق أحيانًا، لكنك لا تمنح القلق مفاتيح البيت كلها.

تعرف أن الحياة لن تكون دائمًا لطيفة، وأن الناس لن يكونوا دائمًا كما تتمنى، وأن بعض الأمور ستتعطل، وبعض الخطط ستتغير، وبعض الأبواب ستغلق.

لكن لا بأس.

ليس مطلوبًا أن تسير الحياة كلها كما تريد حتى تكون مطمئنًا.

وهنا ربما يبدأ معنى آخر للروقان؛ الروقان الذي لا يحتاج إلى فنجان قهوة، ولا أغنية معينة، ولا جلسة في مكان بعيد. هذه الأشياء جميلة، طبعًا، لكنها ليست مصدر هدوئك.

أنت هادئ قبلها.

تشرب قهوتك لأنك تحبها، لا لأنك تحتاج إليها حتى تحتمل نفسك. تجلس في مكان جميل لأنك تستمتع به، لا لأنك تهرب من مكان آخر يسكن داخلك.

وهذا فرق لا يعرفه إلا من تعب طويلًا من الهروب.

أن تستطيع أن تجلس وحدك، ولا تشعر بأن الوحدة عقوبة. أن تصمت، ولا تبحث فورًا عن صوت. أن تترك هاتفك بعيدًا، ولا تشعر بأن شيئًا في العالم سينهار لأنك لم تكن حاضرًا لدقائق. أن تنام دون أن تحمل معك كل ما حدث في اليوم، وأن تستيقظ دون أن تحمل معك كل ما حدث في السنوات الماضية.

ربما لهذا لا يحتاج التعافي دائمًا إلى تغييرات كبيرة.

أحيانًا يبدأ بأن تخفف الضجيج قليلًا. أن تقلل من متابعة ما لا يعنيك. أن تتوقف عن مراقبة حياة الآخرين، وعن مقارنة بداياتك بنتائجهم. أن تمنح نفسك بعض الوقت دون شاشة، ودون أخبار، ودون آراء كثيرة تدخل رأسك من كل اتجاه.

أن تمشي،
أن تصلي ركعتين،
وأن تجلس مع نفسك،
أن تنام حين تحتاج إلى النوم،
أن تقول «لا» دون أن تقضي بقية اليوم في تأنيب نفسك،
أن تبتعد عن بعض الأشياء التي تعرف أنها تستنزفك، حتى لو كنت معتادًا عليها،
وأحيانًا، أن تتعلم التجاهل.

ليس تجاهل الناس، بل تجاهل كل ما يحاول أن يسحبك إلى مساحة لا تشبهك.
ليس كل تعليق يحتاج إلى رد، وليس كل سوء فهم يحتاج إلى معركة، وليس كل شخص يحتاج إلى أن تشرح له نفسك.

هناك راحة كبيرة في أن تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تمضي.

وربما أجمل ما في الأمر كله أنك حين تبدأ في استعادة هدوئك، لا تشعر أنك أصبحت شخصًا آخر.

تشعر أنك عدت إلى نفسك.

إلى ذلك الإنسان الذي كان موجودًا فيك قبل أن تثقل الحياة كتفيه بكل هذا القلق.

تعود الأشياء الصغيرة جميلة.

كوب ماء في الصباح، نافذة مفتوحة، شمس خفيفة، مشي قصير، حديث عابر مع شخص تحبه، غرفة مرتبة، ساعة بلا استعجال، ونَفَس هادئ.

أشياء كنا نمر بها دون أن ننتبه، ثم نكتشف بعد تعب طويل أنها كانت، في الحقيقة، هي الحياة.

ليس من الضروري أن يكون يومك مليئًا بالأحداث حتى يكون جميلًا، وليس عليك أن تكون سعيدًا طوال الوقت. يكفي أحيانًا أن تكون مطمئنًا. ألا تخاف من الغد، وألا تعاقب نفسك على الأمس، وأن تملك هذه اللحظة كما هي.

وربما يأتي يوم تستيقظ فيه، وتكتشف أنك لم تعد تعبأ بكثير من الأشياء التي كانت تستهلكك.

ليس لا مبالاة،
بل سلام.

تعرف أن هناك أشياء تستحق قلبك، وأشياء لا تستحق حتى أن تلتفت إليها. وتعرف أن راحتك ليست شيئًا تضعه في يد أحد.

لا تنتظر شخصًا كي يطمئنك، ولا حدثًا كي يسعدك، ولا قهوة كي تهدأ، ولا يومًا مثاليًا كي تشعر أنك بخير.

تصبح أقرب إلى نفسك، وأكثر رحمة بها، وأقل استعجالًا للحياة.

ثم يأتي صباح عادي جدًا.

لا شيء مميزًا فيه. لا خبر يغير الحياة، ولا مناسبة منتظرة، ولا مفاجأة في الطريق. ضوء خفيف يتسلل من النافذة، والبيت ما زال غارقًا في هدوئه، واليوم يبدأ على مهل، دون أن تشعر بأن شيئًا يطاردك.

تعد القهوة، أو ربما لا تعدها. تجلس قليلًا، تنظر من النافذة، وتترك الوقت يمضي كما يريد. لا استعجال، ولا حاجة إلى أن يكون الصباح أكثر مما هو عليه.

وفي لحظة عابرة، قد لا تنتبه لها أصلًا، تكتشف أن شيئًا في داخلك قد تغيّر.

لم تعد بحاجة إلى أن يحدث شيء حتى تشعر بأن الحياة بخير.

لم تعد تنتظر رسالة لتبتسم، ولا موعدًا لتفرح، ولا نهاية مشكلة كي تتنفس. صارت الطمأنينة تأتي من مكان أبسط بكثير؛ من الداخل.

صار ضجيج العالم يُسمع من بعيد، دون أن يجد طريقه إلى القلب كل مرة. وصارت بعض الأشياء تمر كما جاءت، بلا تحليل طويل، ولا أسئلة كثيرة، ولا رغبة في معرفة لماذا حدثت، وماذا كان يمكن أن يحدث لو حدث غيرها.

وقد تتذكر حينها كم كنت تتمنى، في أيامك الثقيلة، أن تصل إلى صباح كهذا.

صباح لا يحمل لك شيئًا سوى نفسه.

لا تحتاج فيه إلى الهرب، ولا إلى الانشغال، ولا إلى اختراع سبب للفرح. يكفيك أن تفتح عينيك، وأن تجد قلبك في مكانه، وأن تشعر بأن اليوم أمامك واسع بما يكفي ليُعاش بهدوء.

فتأتي ابتسامة صغيرة، لا تعرف لها سببًا واضحًا.

ربما لأن الحياة لم تصبح كاملة،
وربما لأن القلب، أخيرًا، لم يعد يشترط كمال الحياة كي يطمئن.

وهكذا يمضي الصباح.

يمضي عاديًا جدًا، كما تمضي الأشياء الجميلة حين نتوقف عن انتظارها.

ويبقى في الداخل ذلك الشعور الهادئ الذي لا يحتاج إلى اسم؛ شيء يشبه الرضا، ويشبه النجاة، ويشبه أن يستعيد الإنسان نفسه بعد وقت طويل من البحث عنها.

وحينها فقط، يصبح الصباح العادي نعمة.


 

اترك تعليقا