العرب في بريطانيا | لا تكتب أهدافًا للعام الجديد !

لا تكتب أهدافًا للعام الجديد !

لا تكتب أهدافًا للعام الجديد !
عادل يوسف مارس 7, 2022
شارك

أكاد أَجزم أن من أكثر الجُمل التي نسمعها في بداية كل عام جديد هي: ضع أهدافك. رتِّب أهدافك …إلخ. بيد أن في ظني أن الأهداف والإنجازات ليس لها وقت محدّد؛ بمعنى أنه ليس عليك الانتظار حتى تغرب شمس آخر يوم في السنة حتى تعود أدراجك وتبحث عن ما يُطمئنك بأنك إنسان، وأنك ما زلت على قيد الحياة، وأن هناك ما يستحق أن تنهض له من سريرك مثل كل يوم.

“طائرة الكونكورد”!

غير أني وقعتُ مؤخّرًا على مقولة لأحدهم، يقول فيها: حذارِ أن تصبح مثل “طائرة الكونكورد”! ثم تساءلت لِمَ كل هذا الدَويّ على هذه الطائرة بالذات دون غيرها؟! فوجدتُ أنها وقعت في خرافة الأهداف، ووهم الأمنيات.

القصة باختصار أن هناك شركة بريطانية متخصصة في صناعة الطائرات تحمل اسم “الكونكورد”، وقد اجتمع مجلس إدارة الشركة المذكورة، ووضعوا هدفًا لهم، وهذا الهدف هو: صناعة طائرة ذات محرِّك نفّاث تقطع نصف الوقت الذي تقضيه الطائرات في ذلك الوقت؛ بمعنى أنك إذا كنت تستغرق من مدينة دبي – مثلًا – إلى لندن 8 ساعات، فطائرات الكونكورد ستقطعها في أربع ساعات أو أقل.

بدايتهم كانت غاية في الروعة في عام 1976 م ولفترة زمنية قصيرة، ولكن المعضلة التي واجهتهم أن تكلفة التصنيع ووُرش الإصلاحات كانت عالية جدًّا؛ وهذا ما انعكس سلبًا على الفاتورة الباهظة التي أصبحت مع مرور الوقت تُثقل كاهل الزبائن، وتُفقدهم ولاء عملائهم.

لا تكتب أهدافًا للعام الجديد !
“طائرة الكونكورد”! (Unsplash)

وفي فترة التسعينيات اجتمع مجلس الإدارة مجددًا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد أن لاحظوا الهبوط الحادّ في أسهم الشركة، وفجأة! ودون سابق إنذار اتفق جميعهم على الاستمرار بنفس المنهجية بالرغم من الخسائر التي تعرّضوا لها؛ معلّلين ذلك بأنهم قد بذلوا كثيرًا من الجهد والمال في سبيل تحقيق هذا الهدف – وهذا ما كنت أرمي إليه بفخّ الأمنيات -.

ومع بداية الألفية حصل ما لم يكن في الحسبان! ارتفاعٌ في التكاليف التشغيلية، وانكماش الطلب العامّ، وإضراب العاملين المستمرّ، والخسائر تلو الخسائر؛ كل هذه الأحداث ساهمت في أفول شمس هذا الكيان العظيم في عام 2003 م، وخروجه عن الخدمة.

لا تكتب أهدافًا للعام الجديد !
لا تكتب أهدافًا للعام الجديد ! (Unsplash)

خرافة الأهداف

ولعلّ الهُوَّة التي بيننا – عزيزي القارئ – بدأت تتلاشى الآن، وها أنت قد مدَدت يدك إليّ مصافحًا وموافقًا على “خرافة الأهداف”! نعم “خرافة” عندما تُصِرّ على المُضي قُدُمًا دون مراجعة للخطط، وعندما تصمّ أُذنيك عن الأصوات من حولك فقط لأنك بذلت بعض المال أو الوقت، وعندما تظن أن جمال اللوحة لا يكتمل إلا بزيادة بعض اللمسات هنا وهناك دون الحذف عندئذٍ تصبح خرافة!

توقَّفْ لبُرْهة، وأزِل الغبار عن كل تلك الأفكار والمخططات الرنّانة التي مضى عليها حولين وربما أكثر ولمّا ترى النور بعد! أعِد التأمُّل فيها، أَمَا كان ينقُصها بعض المراجعة والحذف حتى تكتمل؟

ما مصير العشرين هدفًا التي وضعْتَها في العام المُنصرِم؟ أَمَا كان يجدر بك الاستغناء عن جُلِّها إلّا هدفًا واحدًا فقط يكون منطقيًّا ومدروسًا، تضع فيه كل همِّك، ويصحبك في حِلِّك وتَرْحَالك حتى تصبح مرجعًا في هذا المجال؟!

تَخلَّصْ من أبواق مشاهير التواصل الاجتماعي الزائفة، وهرطقات روّاد التنمية البشرية! تخلَّصْ منها كلها؛ حتى تُفسح المجال لهدف يحبُّك وتحبُّه، هدف ينتمي إليك لا إليهم؛ فلا امتلاء دون تفريغ، ولا سطوع دون مغيب، ولا ولادة مبهجة قبل مخاضٍ عسير.

لا تكتب أهدافًا للعام الجديد !
لا تكتب أهدافًا للعام الجديد ! (Unsplash)

التخلية قبل التحلية

وللعلماء قديمًا قصب السبق في ذلك لَمَّا تكلموا عن مفهوم “التخلية قبل التحلية”؛ فلو أراد إنسان أن يزرع أرضًا مشكلتُها أنها قاحلة، جرداءُ، متعرجة، وغير مستوية، فهل ينفع أن يزرعها دون أي إصلاحات؟ بالطبع لا! فهذا هو ما يسمى “التخلية” للأرض؛ عبر تنظيفها من كل تلك الشوائب الهدّامة، ووضع تربة صالحة للزراعة.

الآن – وبعد ما تهيّأت الأرض وتزيّنت – جاء وقت الضيف القادم بوضع البذور الجديدة المنطقية التي تنفع طبيعة المكان حولها، وهذا ما يُسمّى “التحلية”.

عليك أن تُدرك أنك لست شركة، ولست سهمًا مُدْرجًا في سوق الأسهم العالمية (البورصات). هَدِّئْ من روعك، واربُتْ على كتفك؛ فإن عشرين دقيقة من المشي المتواصل اليومي خير من هدف الوزن المثالي مثلاً، وقراءة “وحي القلم” للرافعي قراءة متأنية خير من جَرْد الكتب، والبحث عن الأرقام فقط، وهكذا دوالَيْك.

لا تخف من عِظَم الهدف بقدر خوفك من رفقاء الطريق، وتشتُّت العزائم، والجهد المبذول في غير محلِّه، وقديمًا قالوا: إذا كنت تظن أنك أصغر من أن تفعل شيئًا فجرِّبْ أن تنام وفي غرفتك بعوضة واحدة فقط…!

 


اقرأ المزيد

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 26 يوليو 2026
"إنها إبادة جماعية.. سمّوها باسمها الحقيقي" انتقد جيريمي كوربن، الزعيم البرلماني لحزب "يور بارتي"، تصريحات وزير الخارجية البريطاني الجديد إد ميلباند حول غزة، واصفًا إياها بأنها "مخيبة للآمال"، ومشددًا على ضرورة الاعتراف بما ارتكبه الاحتلال من جرائم حرب في القطاع.…
𝕏 @alarabinuk · 26 يوليو 2026
تظنُّها مجرد سيجارة إلكترونية؟ خطأ شائع لا يعرفه بعض المغتربين العرب قد يعرضهم للطرد الفوري والغرامة من حافلات بريطانيا التي تساوي بين "الفيب" والتدخين التقليدي، كيف تحمي نفسك من الإحراج؟ تعرَّف الآن على اللوائح الصارمة 👇 📌 هذه المعلومات برعاية…
𝕏 @alarabinuk · 26 يوليو 2026
عندما يُسحر الشعر قلب لندن.. وسط حضورٍ متميّزٍ من الأكاديميين ومحبي الأدب، استضاف مركزُ لندن للإبداع العربي ونادي "حبر أبيض" الشاعرَ والإعلاميَّ السوري هاني نديم في أمسيةٍ شعريةٍ ساحرة بعنوان "نحّات الريح". #شاهد أبرز محطات هذه الأمسية الشعرية 👇🏻 #العرب_في_بريطانيا…
𝕏 @alarabinuk · 26 يوليو 2026
كيف تصنع إنسانًا لا تهدّه رياح الحياة؟
عرض المزيد على X ←